الحضانة في القانون الجزائري [شروطها ،أحكامها ، مسقطاتها]

5/5 - (2 صوتين)

المقدمة

استخلف الله الإنسان في الأرض و جعل منه الزوجين الذكر والأنثى و أودع في كل منهما ما يجعله يميل للآخر، و يكون من ثمرته التناسل ليبقى النوع الإنساني يعمر الأرض حتى يبلغ الكتاب أجله، و لكن المولى سبحانه و تعالى كرم بني آدم و لم يتركهم إلى ما تمليه عليهم طبيعتهم في أمر الازدواج كبقية المخلوقات، بل سن لهم طريقة خاصة تتفق و منزلتهم بين سائر المخلوقات هي الزواج.

ولقد أولى الإسلام الزواج عناية كبرى و جعله من أوثق العرى بين الناس و المتتبع لنصوص التشريع في القرآن و السنة يجد أن هذا العقد ظفر بعدد كبير منها، ووصفه القرآن بأنه ميثاق غليظ في قوله تعالى:

{وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً}

و بأنه أكثر النعم التي أنعم الله بها على الإنسان في معرض امتنانه بنعمه فيقول جل شأنه:

{ وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}.

ولقد شُرع الزواج على سبيل الدوام و البقاء لقوله عز و جل:

{ و عاشروهن بالمعروف}

ولكن قد تعترض العلاقة الزوجية في بعض الأحوال أمور تجعل الحياة الزوجية مصدر الشقاق والخصام المستمر بين الزوجين بدل أن تكون سببا للائتلاف و الوئام، فتصبح الرابطة الزوجية جحيما و نقمة، بعد أن كانت نعمة و سعادة، فشُرع الطلاق في الإسلام للتخلص من الزوجية التي لا خير في بقائها فإن كان الزواج يهدف أساسا إلى تنظيم العلاقة الزوجية و حفظ أعراض الناس، و إثبات نسب كل مولود.

فإن الزوجين يستطيعان التخلص من هذه العلاقة إذا تبين أن الحياة والعشرة الزوجية مستحيلة نتيجة الشقاق المستمر و ذلك بفك الرابطة الزوجية عن طريق الطلاق.

ومن أهم وأبرز النتائج المترتبة عن الطلاق مسألة حضانة الأطفال الناتجين عن هذا الزواج والمشاكل التي تطرحها حول مصير الأطفال ومن يكفلهم وكيف نحافظ عليهم ؟

ومن هنا تزداد أهمية الحضانة في القانون الجزائري ويعظم قدرها فهناك أحكام شرعية تحفظ للأولاد حقوقهم وتكفل رعايتهم منذ ولادتهم حتى البلوغ حيث اتخذها العلماء أساسا لوضع نصوص تشريعية تثبت نسبهم و تدبر رضاعتهم وحضانتهم والإنفاق عليهم وإدارة شؤونهم المالية حتى يبلغوا أشدهم .

وقد أراد الشرع الإسلامي من وراء هذه الأحكام حماية الصغار من الضياع وقد تعهدت جل التشريعات الوضعية بعديد من الأحكام تتعلق بمصير الولد وحمايته ، وتطور الأمر إلى إبرام اتفاقيات دولية من أجل هذا الغرض.

فقد حثت اتفاقية حقوق الطفل في المادة الثالثة منها جميع الدول والمؤسسات والهيئات التشريعية والقضائية على أن يعطى الإعتبار الأول لمصالح الطفل الفضلى في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال ، ونحن ندرك تمام الإدراك أن الحضانة في القانون الجزائري هي من أهم الأولويات التي يجب أخذها بصرامة.

إذن لا يحق أن نحمل الأطفال تبعات النزاع الحاصل بين والديهما والذي لا ذنب لهم فيه, لكن لو تم الانفصال بين الزوجين

  • فمن سيكفل الأطفال بعد الطلاق وكيف ؟
  • و ماهي معايير التمييز في إسناد الحضانة في القانون الجزائري لطرف دون آخر؟
  • و من هو المسؤول عن المحضون في هذه الحالة ؟
  • و هل للقاضي السلطة الكاملة في تقدير مصلحة الطفل أم أنه مقيد بالنصوص؟
  • و في ماذا تتمثل الأثار القانونية في حالة الحكم بإسناد الحضانة في القانون الجزائري؟

للإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها من الاشكاليات إرتى موقع المكتبة القانونية الجزائرية أن يعالج موضوع “الحضانة في القانون الجزائري في ظل التعديل الجديد لقانون الأسرة” مدعما ذلك بمجموعة من مواد قانون الاسرة واتفاقيات ومعاهدات دولية حول الحضانة اضافة الى اجتهادات قضائية صادرة عن المحكمة العليا في مجال الحضانة في قانون الاسرة الجزائري 

اضافة الى مراجع متمثلة في بحوث ومذكرات تخرج بصيغة PDF حتى يستنى للمطلع على هذا الموضوع الالمام به من كافة النواحي

وتم الاستناد في دراستنا للموضوع على أحكام الشريعة الإسلامية طبقا لقواعد نص المادة 222 من قانون الأسرة ،كما قمنا بمحاولة تحليل نصوص مواد قانون الأسرة الجزائري رقم 84-11 المعدل والمتمم بالأمر رقم 05-02 المؤرخ في 27 فبراير سنة 2005, بالإضافة إلى إبراز موقف المحكمة العليا من بعض المسائل المتعلقة بها لإضفاء الجانب التطبيقي.

مفهوم الحضانة

من أهم الآثار القانونية لانحلال عقد الزواج هو وضع الطفل عند من هو أقدر على الإهتمام به والعناية بشؤونه ، والحضانة هي ضرب من هذه الرعاية بالطفولة بحيث يكفل للطفل التربية الصحية والخلقية السليمة.

ومن هنا فإن أحكام الحضانة في القانون الجزائري هي مظهر من مظاهر عناية التشريع الإسلامي بالطفولة و كذا التشريعات الوضعية وعليه سنحاول أن نعرف الحضانة ونحدد شروط ممارستها

تعريف الحضانة فقها وقانونا

إن الحضانة هي القيام على شؤون الطفل وكفالته بغرض المحافظة على بدنه ، وعقله ، ودينه ، وحمايته من عوامل الانحراف وطوارئ الإنحلال بما يمكنه من أن يكون فردا صالحا داخل مجتمعه مما يقتضي وضعه تحت أيدي مؤهلة لمثل هذه الواجبات ، وأن يكون لهم الحق في ذلك وفقا لقواعد الشريعة والقانون , وهذا ما سنتطرق إليه

تعريف الحضانة فقها

الحضانة – بفتح الحاء – هي ضم الشيء إلى الحضن وهو جانب الشيء فنطلقها على جانب الجبل أو بطنه في قولنا “تعيش الذئاب في حضن الجبل أي عمقه” ونقول ” حضن الطائر بيضه “ إذا جلس إليها وغطاها بجناحيه.

وعند الإنسان يطلق على عملية الحنان حين تضم الأم ابنها إلى صدرها وهي تعنقه وتلتصق به فتعطي هذه الكلمة معاني ضم الشيء وحفظه والحنان عليه.

وعرف الفقهاء الحضانة بأنها عبارة عن القيام بحفظ الصغير أو الصغيرة أو المعتوه الذي لا يميز ولا يستقل بأمره وتعهده بما يصلحه ووقايته مما يؤذيه أو يضره وتربيته جسميا ونفسيا وعقليا كي يقوى على النهوض بتبعات الحياة والاضطلاع بمسؤولياتها.

والولد منذ أن يولد محتاج لمن يعتني به ويقوم على تربيته وحفظه وتدبير كل ما يلزمه في حياته لأنه يكون عاجزا في حياته الأولى عن القيام بمصالح نفسه غير مدرك لما يضره وينفعه ، والشارع الحكيم قد أناط هذا الأمر بوالدي الصغير لأنهما أقرب الناس إليه في هذه الحياة و وزع الأعباء عليهما كل فيما يصلح له.

أما عن تربيته ورعاية شؤونه في المرحلة الأولى فقد جعلها للأم ، وأما عن ولاية التصرف في نفس الولد وماله فقد جعلها للأب.
وقد عرفها الإمام مالك بأنها: (( تربية الولد وحفظه وصيانته حتى يحتلم ثم يذهب الغلام حيث شاء))

أما بعض فقهاء الشافعية عرفوها بأنها “حفظ من لا يستقل بأمره وتربيته ، بما يصلحه ويقيه ما يضره “

ويرى ابن القيم أن الولاية على الطفل نوعان : نوع مقدم فيه الأب عن الأم ومن في جهتها وهي ولاية المال والنكاح ، ونوع تقدم فيه الأم و هي ولاية الحضانة و الرضاع ، و قدم كل من أبويه فيما جعل له من ذلك لتمام مصلحة الولد.

و يرى الأستاذ صالح جمعة أنّ الولاية على النفس هي القيام و الإشراف على مصالح المولى عليه فيما يختص بنفسه منذ ولادته حتى بلوغه و تزويجه ، و يدخل في نطاقها ثلاث ولايات :

  • ولاية الحفظ و الرعاية: و تبدأ منذ ولادة المولى عليه حتّى بلوغه سنّ التّمييز ، و هي ما تسمى بالحضانة .
  • ولاية التربية و التأديب و التهذيب: و تبدأ بعد بلوغه سنّ التمييز و استغنائه عن النّساء حتى البلوغ الطبيعي مع العقل ، وهي ما تسمى بالكفالة أو ولاية الضم والصيانة.
  • ولاية التزويج: وهي تثبت للولي بناءا على القدرة الشرعية التي أناطها الشارع إليه في تزويج من في ولايته.

وحكم الحضانة في القانون الجزائري أنها واجبة لأن المحضون يُهلك بتركها، فوجب حفظه من الهلاك كما يجب الإنفاق عليه و إنجاؤه من المهالك ، ودليل وجوب الحضانة للصغير قوله تعالى عن مريم عليها السلام:
(( فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا)).
وقوله صلى الله عليه وسلم : ” بحسب المرء من الإثم أن يُضَيِّعَ ما يعول “

وتتطلب الحضانة الحكمة واليقضة والانتباه والخلق الجم،ّ حتى إنّه يُكره على الإنسان أن يدعو على ولده أثناء تربيته ،كما يُكره أن يدعو ا على نفسه و خادمه و ماله لقوله صلى الله عليه و سلم:

” لا تدعوا على أنفسكم و لا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على خدمكم ولا تدعوا على أموالكم ، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاءٌ فيستجيب له “

وروى أبو موسى عن ابن عباس أن أوس بن عبادة الأنصاري دخل على النبي صلى الله عليه و سلم فقال :
يا رسول الله إنّ لي بنات وأنا أدعو عليهن بالموت ، فقال :
” يا ابن ساعدة لا تدعوا عليهنّ ، فإنّ البركة في البنات هنّ المجملات عند النعمة والمعينات عند المصيبة والممرّضات عند الشّدة ثِقْلُهُنَّ على الأرض و رِزقهن على الله “

تعريف الحضانة قانونا

نصت المادة 62 من قانون الأسرة المعدل و المتمم: ” الحضانة هي رعاية الولد وتعليمه والقيام بتربيته على دين أبيه والسّهر على حمايته وحفظه صحة و خلقا ، ويشترط في الحاضن أن يكون أهلا للقيام بذلك ” .

وعرّفتها المادة 97 من المدونة المغربية للأحوال الشخصية “بانها حفظ الولد مما قد يضره قدر المستطاع والقيام بتربيته ومصالحه” .

كما عرفتها المادة 54 من مجلة الأحوال الشخصية التونسية بأنّها “حفظ الولد في مبيته والقيام بتربيته”

فخلافا للقانونين السابقين المشرع الجزائري في قانون الأسرة ركّز في تعريف الحضانة على أسبابها وأهدافها وهي رعاية الولد ، وتعليمه والقيام بتربيته على دين أبيه والسهر على حمايته وحفظه صحة وخلقا .

ويرى الأستاذ عبد العزيز سعد أن التعريف الوارد في المادة 62 يعتبر أحسن تعريف على الرغم من إحتوائه على أهداف الحضانة وأسبابها وذلك لشموليته على أفكار لم يشملها غيره من القوانين العربية ، حيث أنه تعريف جمع في عمومياته كل ما يتعلق بحاجيات الطفل الدينية والصحية والخلقية والتربوية والمادية .

ومما تقدم فإنّ أهداف الحضانة في القانون الجزائري تظهر فيما يلي:

1/ تعليم الولد:

ويقصد به التعليم الرسمي أو التمدرس ، وما دام التعليم إجباريا ومجانيا فكل طفل له الحق أن ينال قدرا من التعليم حسب استطاعته وامكانياته الذهنية وقدراته العقلية واستعداده الفطري والنفسي.

2/ تربية الولد على دين أبيه:

يجب أن يربىّ الولد على مبادئ وقيم الدين الإسلامي ، ولما كان زواج المسلم بغير المسلمة جائزا ، فإن القاضي يمنح الحق في الحضانة في القانون الجزائري للأم غير المسلمة ، ولا ينكره عليها أبدا.

فهي كالمسلمة على أن تراعي أحكام الشرع في تربية الطفل وذلك حسب نص المادة 30 من قانون الأسرة المعدلة بالأمر 05/02 المؤرخ في 27 فبراير 2005 في الفقرة الأخيرة وهذا ما أكدته المادة 62 من قانون الأسرة.

3/ السهر على حماية المحضون

إذا كانت الحضانة في القانون الجزائري هي رعاية وحماية فلا بد أن تتخذ هذه الحماية كل أشكالها، فيجب أن لا يكون الطفل عرضة لأي اعتداء مادي كالضرب أو اعتداء معنوي كالإرهاب و التخويف و الشتم ، مما يؤدي إلى زعزعة انضباط الطفل نفسيا و عاطفيا

و ليس معنى ذلك أن يترك للطفل الحبل على الغارب و أن لا يُؤدّب كلما استدعت الحاجة ، ثم إنّ الحماية لا تكون من الغير فقط، بل لابد من حماية الطفل حتى من نفسه .

4/ حماية الطفل من الناحية الخلقية

و يكون ذلك بتنشئته على حسن الخلق و تهذيبه و إعداده لأن يكون فردا صالحا سويا و أن لا يُترك عرضة للشارع و رفقاء السوء.

5/ حماية المحضون صحيا

يجب أن يلقى الطفل العناية الصحية الكاملة ، خاصة في السنوات الأولى من حياته ، و ذلك بأن يتلقى كل التّلقيحات اللازمة و الدورية ، و أن يُعرض على طبيب كلّما استدعت الحاجة.

شروط الحضانة في القانون الجزائري

إن الحاضن هو من يتولى شؤون الصغير بإذن الشرع أو بأمر القاضي ذكرا كان أم أنثى ، إذ يتساوى الرجال و النساء في أهليتهم للحضانة مع اختلاف في الأولوية و تباين في الترتيب .

وعليه فالحضانة تثبت لمن كان أهلا بها بتوافر شروطها ، إذ يرى الفقهاء أن هناك شروطا عامة في الرجال و النساء و أخرى تختص بها النساء ، و البعض الآخر لابد من توافرها في الرجال.

كما أن المشرع الجزائري حصر شروط الحضانة في القانون الجزائري في الأهلية بعد تعريفه لها في المادة 62 من قانون الأسرة الجزائري المعدل و المتمم ، إذ نصت الفقرة الثانية منها على أنّه :
(( و يشترط في الحاضن أن يكون أهلا للقيام بذلك )).

إذ المقصود بالأهلية هنا هو القدرة على القيام بمهمة شاقة تتعلق بتربية الطفل و إعداده إعدادا سليما ليكون قادرا على الاعتماد على نفسه في المستقبل.

ولتحديد هذه الشروط غير الواردة في نص القانون فإن المادة 222 من قانون الأسرة الجزائري تنص على أنّه :

(( كل ما لم يرد النص عليه في هذا القانون يرجع فيه إلى أحكام الشريعة الإسلامية )) .

وعلى هذا الأساس سنتطرق إلى شروط ممارسة الحضانة على ضوء الفقه مع الإشارة إلى موقف المشرع الجزائري منها مع الإستشهاد ببعض قرارات المحكمة العليا لإبراز مدى تكريس القضاء لهذه الشروط وذلك كما يأتي بيانه:

الشروط العامة

الأهلية للحضانة تثبت للرجال كما تثبت للنساء و إن تقدمت حضانة النساء على حضانة الرجال لأن المرأة بحكم الفطرة و التكوين هي الأقدر على رعاية الصغير و الأكثر صبرا على توفير احتياجاته المتنوعة و من بين الشروط العامة لممارسة الحضانة للرجال و النساء نجد :

1/ العقل :

لا يستطيع المجنون القيام بشؤون نفسه و بالتالي لا يكون له تولي شؤون غيره ، و يستوي في الجنون أن يكون مُطْبقًا أو متقطعا فكلاهما مانع من الحضانة ، و لا فرق بين جنون متقطع قليل أو كثير ، و لو كان من القلة بحيث لا يأتي إلا ليوم واحد في السنة.

ذلك لأن ترك المحضون لدى مثل هذه الحاضنة فيه ضرر عليه ، فقد يرد جنونها في أي وقت و إن كان نادرا أو قصيرا و لو مثلا مرة في كل سنة ، لأن المقصود بالحضانة هو مصلحة المحضون و توفير الحماية اللازمة له ، و عليه ينبغي الابتعاد به عن أدنى ضرر محتمل يصيبه و ذلك رعاية لمصلحته .

والمعتوه يأخذ حكم المجنون و الصغير لأنه محتاج لرعاية الغير و بالتالي فلا يرعى هو غيره ،و لأن ولايتهما لغيرهما كالصغير فلا ولاية لهما على محضون ، إذ الحضانة في القانون المدني من الولاية ، كما أنّه لا يتصور أن يكون الشخص قاصرا في حق نفسه لا يمكنه القيام بشؤونه الخاصة و تكون له في الوقت نفسه ولاية على غيره لأنه في حاجة إلى إشراف الغير و الأخذ بيده في شؤون نفسه

فلا يصوغ له أن يتولى هو هذا الإشراف على الغير باعتبار الحضانة ولاية على النفس ، و غير العاقل لا ولاية له على نفسه ، فمن باب أولى لا تثبت له ولاية على غيره .

وإلى جانب العقل اشترط المالكية الرشد ، فلا حضانة عندهم لسفيه مُبَذِّر كي لا يتلف مال المحضون أو ينفق عليه منه ما لا يليق.

و اشترط أيضا الحنابلة مع المالكية بالإضافة إلى العقل عدم المرض المنفر كالجذام و البرص فلا حضانة لمن به شيء من هذه المنفرات.

أما موقف المشرع الجزائري في هذه المسألة فإنه يرى أن الحضانة في القانون الجزائري هي ولاية على النفس ، فلا تكون لغير العاقل الذي لا يقوى على شؤونه إذ هو نفسه بحاجة إلى من يرعاه و هو ما ورد في نص المادة 85 من قانون الأسرة الجزائري المعدل و المتمم التي تنص:

(( تعتبر تصرفات المجنون و المعتوه و السفيه غير نافذة إذا صدرت في حالة الجنون أو العته أو السفه ))

كما أنه لا فرق في الجنون سواء كان مستمرا أو متقطعا ، لأن الحضانة في القانون الجزائري هي رعاية المحضون و حفظ مصلحته.

2/ البلوغ:

الحضانة مهمة شاقة لا يتحمل مسؤولياتها و تبعاتها إلاّ الكبار ، بل أن وظائفها لا يقوم بها إلاّ هؤلاء ، إذ يشترط في الحاضن البلوغ لأن الحضانة في القانون الجزائري من باب الولاية و الصغير ليس من أهل الولاية .

أما استحقاق المراهقة للحضانة فلأنّها بالغة حكما ، إذا ادّعت البلوغ و هي ان ادّعت البلوغ بالعلامات كانت بالغة ما دام أن الظاهر يشهد بصدق ادّعائها ، و كون البلوغ شرط في الحاضنة ، شرطٌ سار عليه سائر الفقهاء ، لأن الطفل محتاج إلى من يخدمه و يقوم على شؤونه ، فكيف يكون له أن يتولى شؤون غيره.

و البلوغ شرط أساسي لاستحقاق الحاضن للحضانة ، لأن به اكتمال الإرادة عادة و القضاء الجزائري اعتبر البلوغ من شروط استحقاق الحضانة باعتباره متفق عليه لدى فقهاء الشريعة الإسلامية .

3/ الأمانة على الأخلاق:

الأمانة صفة في الحاضن يكون بها أهلا لممارسة الحضانة و بيئة مصاحبة للمحضون ، تضمن حدّا أدنى من التربية السليمة للصغير إذ تسقط الحضانة إذا أُلقيَ بالصغير في بيئة سيئة مصاحبة له تؤثر عليه سلبا و تثير الشكوك حول سلامة تربيته ، و المناط في سقوط الحضانة في القانون الجزائري مصلحة الصغير و حمايته من الضياع و صيانته من الإهمال.

حتى قال بعض الفقهاء : ” إن الحاضنة لو كانت كثيرة الصلاة قد استولت عليها محبة الله تعالى و خوفه حتى شغلاها عن الولد و لزم ضياعه نُزعَ منها وسقطت الحضانة عنها “

وعليه فلاحضانة لغير أَمِين على تربية الولد وتقويم أخلاقه كالفاسق مثلا رجلا كان أو امراة من سِِّكير أو مشتهر بالزنا أو اللهو الحرام ، في حين أن في هذه المسألة قيَّد الشيخ ابن عابدين الفسق المانع من حضانة الأم ذلك الفسق الذي يضيع به الولد إذ يكون لها الحضانة ولو كانت معروفة عنده بالفجور ما لم يصبح الولد في سن يعقل فيه فجور أمه.

ففي هذه الحالة وإن أصبح يعقل فجورها ينتزع منها الولد صونا وحفاظا لأخلاقه من الفساد لأنّها غير أمنية عليه .أما الرجل الفاسق فلا حضانة له.

كما أنه قيل أنّ الحاضنة إذا كانت تخرج كل وقت وتترك الولد ضائعا فإنها تكون غير مأمونة عليه ،فلا تكون لها حضانته إذ ليست أهلا لها.

ولقد تشدّد القضاء الجزائري في اعتبار الأمانة شرطا جوهريا في الحاضن وتكرّس ذلك في العديد من أحكامه وقراراته ،إذ يرى أنّ الحاضنة التي لا تقيم وزنا للأخلاق ولا تراعي حرمة للشرف لا تكون أهلا للحضانة لأنها غير أمينة على نفس الطفل وأدبه وخلقه.

إذ ينشأ على طريقتها ومتخلقا بأخلاقها, فأسقط القضاء الحضانة عن الأم لأنّ المحيط الذي يعيش فيه الطفل غير مأمون على أخلاقه .

حيث جاء في قرار المحكمة العليا : ” أنّ عدم إبصار الأم مانع لها من حضانة الأولاد الأربعة لعجزها عن القيام بشؤونهم و مراقبتهم و السهر على تربيتهم و حمايتهم من الوقوع في زلات مشينة” كتلك التي قام بها أخ المطلقة الذي هتك عرض أختهم من أبيهم خاصة و أنّ من المحضوضين بنتين إن تركت حضانتهما لأمهما فلا يؤمن عليهما.

ويتشدد القضاء في موقفه هذا و أسقط حضانة الجدة للأم لأن الأم كانت أخلاقها فاسدة ، فكما أُسقِطت الحضانة عن الأم لفساد أخلاقها و سوء تصرفها يسقط حق أمها في الحضانة ، إذ كذلك الأم التي لا تقدر على تربية ابنتها لا تستطيع تربية المحضون وكبح جماحه وعليه فلا الأم تستحق الحضانة ولا أمها لفقدان الثقة و الأمانة فيهما .

والقول بأنّ الحاضنة ارتكبت فعلا فاحشا ، يجب إثباته بالطرق المعروفة شرعا وهي أربعة شهود عدول من الرجال ، أو اعترافها بالفعل المنسوب إليها لأن الإعتراف سيد الأدلة .

4/ القدرة على التربية:

يقصد بالقدرة الإستطاعة على صيانة الصغير في خلقه وصحته ، إذ لا حضانة لعاجز لكبر السن أو مرض أوشغل ، فالمرأة المحترفة أو العاملة إذا كان عملها يمنعها من تربية الصغير والعناية بأمره لا تكون لديها أهلية الحضانة أما إذا كان عملها لا يحول دون رعاية الصغير وتدبير شؤونه حينئذ لا يسقط حقها في الحضانة.

إذ يرى أغلب الفقهاء أنه لا حضانة لكفيفة أو ضعيفة البصر ولا لمريضة مرضا معديا أو مرضا يعجزها ويمنعها عن القيام بشؤون الصغير ولا لمتقدمة في السن تقدما يجعلها بحاجة إلى رعاية الغير لها، ولا لمهملة لشؤون بيتها كثيرة المغادرة له.

حيث أنه يخشى من هذا الإهمال ضياع الطفل وإلحاق الضرر به أو لساكنة مع مريض مرضا معديا أومع من يبغض الطفل ولو كان قريبا له إذ لا تتوفر له الرعاية الكافية والجو الصالح الملائم لتربيته .

فالمالكية والشافعية والحنابلة يدخلون العمى في مانع العجز، وينيطون حضانة العمياء وغيرها من العاجزات بقدرتها على القيام بشؤون المحضون ولو كان ذلك بمساعدة غيرها ، أما إذا منعها شيء من ذلك عن رعاية شؤون المحضون فلا تكون لها الحضانة.

وعليه فإنّ الفقهاء لم يشترطوا لأهلية الحضانة سوى قدرة الحاضنة على رعاية الصغير و الإشراف على تربيته و المحافظة عليه و لم يشترطوا الإبصار بل أوجبوا توافر صفات ترجع إلى المحافظة على الصغير وتوفر راحته .

أما عن موقف القضاء الجزائري في اعتبار القدرة شرط أساسي في ممارسة الحضانة فيظهر جليا في العديد من قرارات المحكمة العليا إذ جاء في أحدها:

” أنّ القدرة على التربية شرط ضروري لأداء واجبات الحضانة فلا حضانة لكفيفة أو مريضة مرضا معديا أو مرض يُعجز عن القيام بشؤون التربية و على القاضي اللجوء إلى الخبرة للوصول إلى الحكم النّزيه و تقدير مدى عجز الحاضنة “.

و جاء في قرار آخر :

” أن الشارع اشترط في الحاضن عدة شروط من بينها الكفاية و الصحة فلا حضانة لعاجز ذكر أو أنثى لكبر السن أو مرض لا يقدر معه على القيام بشؤون المحضون و لأنه هو نفسه في حاجة إلى من يأخذ بيده ”

5/ الإسلام :

يرى الشافعية و الحنابلة أن الإسلام شرط لممارسة الحضانة ، فلا تثبت الحضانة عندهم للحاضنة الكافرة للصغير المسلم لأنها ولاية و لا ولاية لكافر على مؤمن لقوله تعالى :

(( و لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا )).

فهي كولاية الزواج و المال و لأنه يخشى على دين المحضون من الحاضنة لحرصها على تنشئته على دينها و هذا أكبر ضرر يصيب الطفل ، فعن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:

” كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”.

إلاّ أنّ الحنفية و المالكية لم يشترطوا إسلام الحاضنة ،فيصح كون الحاضنة كتابية أو غير كتابية سواء كانت أمًّا أو غيرها لأن الحضانة لا تتجاوز إرضاع الطفل و خدمته ، و كلاهما يجوز من الكافرة ، و دليلهم في ذلك ما رواه أبو داود و النسائي :

أن رافع بن سنان أسلم و أبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه و سلم فقالت : ابنتي – و هي فطيم – أو شبهه و قال رافع : ابنتي ، فمالت إلى الأم ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم: ” اللهم اهدها “ فمالت إلى أبيها فأخذها .

ولأن مناط الحضانة عندهم هي الشفقة و هي لا تختلف باختلاف الدين ، لكن هؤلاء إختلفوا في مدة بقاء المحضون عند الحاضة غير المسلمة .

– فقال الحنفية : يبقى عندها إلى أن يعقل الأديان ببلوغه السن السابعة أو يتضح أنه في بقائه معها خطر على دينه كالذهاب به إلى معابدها أو تعوده على شرب الخمر وأكل لحم الخنزير

– وقال المالكية : إنّ المحضون يبقى مع الحاضنة إلى إنتهاء مدة الحضانة شرعا فإن خِيف على المحضون من الحاضنة أعطي حق الرقابة إلى أحد المسلمين ليحفظ الولد من الفساد.

وتجدر الإشارة إلى أن الأحناف وإن رأوا جواز حضانة الكافرة إلا أنهم إشترطوا أن لا تكون مرتدة ، لأن المرتدة تستحق الحبس حتى تتوب وتعود الى الاسلام او تموت في الحبس فلا تتاح لها الفرصة لحضانة الطفل ، فإن تابت وعادت عاد لها حق الحضانة .

أما عن موقف المشرع الجزائري في هذه المسألة فقد اكدت المادة 62 من قانون الاسرة الجزائري المعدل والمتمم على ان يربى الطفل على دين ابيه , ولا فرق بين المسلمة وغير المسلمة في مسألة الحضانة .

والواضح من خلال تفحص أحكام وقرارات القضاء الجزائري أنه تمسك بوقف الإمام مالك رضي الله عنه حيث ساوى بين الأم المسلمة والغير المسلمة في استحقاق الحضانة.

كما انه اسقطت الحضانة في القانون الجزائري عن أم مسيحية لانها حاوت تربية ابنها وفق مبادئ دينها.

الشروط الخاصة بالنساء

هناك جملة من الشروط الخاصة بالنساء يمكن سردها فيما يلي:

1/ ألاّ تكون متزوجة بأجنبي عن الصغير أو بقريب غير محرم منه

اختلف الفقهاء في حكم تزوج الحاضنة بالأجنبي عن المحضون على آراء منها:

أ/  قولهم أن الحضانة تسقط بالتزوج مطلقا، سواء كان المحضون ذكرا أو أنثى ، و هو ما ذهب إليه كل من الأئمة الأربعة : مالك و الشافعي ، و أبو حنيفة و أحمد في المشهور عنه، و حجتهم في ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو : ( أن امرأة قالت : يا رسول الله إنّ ابني هذا كان بطني له وعاء و حجري له حواء و ثديي له سقاء و زعم أبوه أنّه ينزعه منّي فقال صلى الله عليه و سلم : ” أنت أحق به ما لم تنكحي “

فهذا الحديث جعل لها حق الحضانة حتى تتزوج ، و عندها لا يكون لها هذا الحق و كذلك إجماع الصحابة على أن الحضانة للأم حتى تتزوج، فتسقط عنها و يدل على ذلك خبر عمر بن الخطاب في النزاع حول ابنه عاصم

فقد قال له الصديق أبو بكر : إنّها أحق به ما لم تتزوج ، و قد وافقه عمر رضي الله عنه على هذا الحكم و كان بحضور الصحابة و لم ينكر عليه أحد ذلك ، و على حكم أبي بكر سار القضاة ابتداء من شُريح لا يختلفون فيه زمانا و مكانا.

ب/ و قيل إن الحضانة لا تسقط بالتزوج مطلقا سواء كان المحضون ذكرا أو أنثى ، وهذا الرأي أكّد عليه الحسن البصري وهو قول ابن حزم الظاهري وحججهم في ذلك الحديث الذي رواه أنس رضي الله عنه قال:

قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي ، وانطلق بي إلى رسول اله صلى الله عليه وسلم ، فقال يا رسول الله إنّ أنس غلام كَيِّسٌ فليخدمك.

قال : فخدمته في السفر والحضر … ،وإنّ أنسًا كان في حضانة أمّه ، ولها زوج وهو أبو طلحة، بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لم ينكر ذلك ، وحجتهم كذلك أن أم سلمة لما تزوجت برسول الله صلى الله لم تُسْقِطْ بزواجها كفالتها لبنيها

فإن تزوجت الحاضنة بقريب محرم من الصغير مثل عمه فإن حضانتها لا تسقط لأن العم صاحب حق في الحضانة و له من صلته بالطفل و قرابته منه ما تحمله على الشفقة و رعاية حقه ، فيتمّ بينهما التعاون على كفالته ، و هذا على عكس الأجنبي فإنها إذا تزوجته لا يعطف عليه و لا يمكنها من العناية به.

و عليه فالصغير لا يجد الجو الرحيم و لا الظروف المساعدة التي تنمي ملكاته و مواهبه ، لأن الحاضنة قد أمسكته عند الأجنبي قد يبغضه و يقسو عليه و لا يؤدبه.

أما عن موقف المشرع الجزائري في هذه المسألة ،تنص المادة 66 من قانون الأسرة الجزائري المعدل و المتمم على أنه :

” يسقط حق الحاضنة بالتزوج بغير قريب محرم و بالتنازل ما لم يضر بمصلحة المحضون ” .

وعليه يستشف من هذه المادة أن حق الحاضنة يسقط بزواجها بالأجنبي و بقريب غير محرم ، و لقد كرست المحكمة العليا هذا المبدأ في العديد من قراراتها منها ما جاء في أحدها:

” من المقرر في أحكام الشريعة الإسلامية أنه يشترط في المرأة الحاضنة و لو كانت أما أن تكون خالية من الزواج أما إذا كانت متزوجة فلا حضانة لها لانشغالها عن المحضون ، مما يستوجب معه نقض القرار”.

و الملاحظ أن موقف المشرع الجزائري أخذ بموقف الجمهور حيث أسقط الحضانة عن الحاضنة لزواجها بغير ذي رحم للمحضون ، و للقاضي السلطة التقديرية الواسعة في مراعاة مصلحة المحضون .

و عليه و خدمة لمصلحة المحضون دائما فإن سقوط الحضانة في القانون الجزائري بزواج الحاضنة بغير قريب محرم تقع عليه عدة استثناءات منها :

  • عدم وجود من يحضن الطفل غير الأم : فبدل من وضع المحضون في دار من ديار الحضانة فإن حاضنته تكون أولى به رغم زواجها ، و كذلك الأمر إذا كان من يليها في الحضانة غير مأمون على الطفل أو عاجزا على حضانته .
  • ألاّ ينازع الأم في المحضون بعد زواجها أحد ممن لهم الحق في الحضانة : و يبدأ حساب المدة من يوم الزواج إلى انقضاء السنة كاملة و ذلك وفقا للمادة 68 من قانون الأسرة الجزائري المعدل و المتمم.
  • أن يترك الأب أو من يقوم مقامه المحضون لأمه عن تراض .

وتجدر الإشارة هنا إلى أن أغلبية الفقهاء يرون أن العقد وحده ليس سببا في إسقاط الحضانة ، إذ لابد من الدخول بها حتى يتحقق الشرط .

و نشير أيضا أن الحاضنة إذا تزوجت و دخل بها زوجها ثم طُلقت أو مات عنها قبل أن يعلم من تنتقل إليه الحضانة فإنه في هذه الحالة تستمر في حضانة المحضون.

2/ أن تكون ذات رحم محرم من الصغير:

أي تكون الحاضنة رحما محرما على المحضون كأم المحضون و أخته و جدته ، فلا حق لبنات العم و العمة و بنات الخال و الخالة بحضانة الذكور لعدم المحرمية ،و لهن الحق في حضانة الإناث و لا حق لبني الخال و الخالة و العم و العمة في حضانة الإناث و لكن لهم الحق في حضانة الذكور.

3/ عدم إقامة الحاضنة بالصغير في بيت يبغضه:

يرى أغلب الفقهاء أن سكن الحاضنة مع من يبغضه الصغير يعرضه للأذى و الضياع ، فلا حضانة للجدة إذا سكنت مع بنتها إذا تزوجت ، إلاّ إذا انفردت بسكن آخر عنها و هذا ما أورده المشرع الجزائري في المادة 70 من قانون الأسرة الجزائري المعدل و المتمم :

“تسقط حضانة الجدة أو الخالة إذا سكنت بمحضونها مع أم المحضون المتزوجة بغير قريب محرم” 

و جاءت هذه المادة تكريسا لمصلحة المحضون ليتربى تربية سوية بعيدة عن كل المشاكل التي تحيط بالطفل و تؤثر عليه سلبا في المستقبل.

4/ ألاّ تكون قد امتنعت عن حضانته مجانا و الأب معسرا:

إن امتناع الأم عن تربية الولد مجانا عند اعسار الأب مسقط لحقها في الحضانة ، فعدم الإمتناع يعتبر شرطا من شروط الحضانة.

فإذا كان الأب معسرا لا يستطيع دفع أجرة الحضانة و قبلت قريبة أخرى تربيته مجانا سقط حق الأولى في الحضانة.

الشروط الخاصة بالرجال

يشترط في الرجل الحاضن بالإضافة إلى شرط العقل و الأمانة و الإستقامة شروط خاصة بالرجال فقط و هي:

1/ أن يكون الحاضن محرما للمحضون إذا كانت أنثى

حدد الحنابلة و الحنفية سنّها بسبع سنين تفاديا أو حذرا من الخلوة بها لانتهاء المحرمية ، و إن لم تبلغ الطفلة حد الفتنة و الشهوة أعطيت له بالإتفاق ، لأنه في حالة بلوغها هذه المرحلة من الشهوة فلا يكون لابن العم حضانة ابنة عمه المشتهاة.

و أجازها الحنفية إذا لم يكن لبنت العم غير ابن العم، و إبقائها عنده بأمر من القاضي إذا كان مأمونا عليها و لا يخشى عليها الفتنة منه

2/ اتحاد الدين بين الحاضن و المحضون

الأساس و المبدأ لحق الرجال في الحضانة مبني على الميراث و لا توارث بين المسلم و غير المسلم ، و ذلك إذا كان الولد غير مسلم و كان ذو الرحم المحرم مسلما، فليس له حق الحضانة بل حضانته إلى ذوي رحمه المحارم من أهل دينه.

و إذا كان الولد مسلما و ذو رحمه غير مسلم ، فليست حضانته إليه لأنه لا توارث بينهما ، إذ قد بُنيَ حق الحضانة في الرجال على الميراث.

ترتيب المستحقين للحضانةو آثار إسنادها

من المعلوم أن الفقهاء قدموا الحواضن بعضهن على بعض بحسب المحضون ، فجعلوا الإناث أليق بالحضانة على حساب الرجال لأنهن أشفق و أهدى إلى التربية و الرعاية و أصبر على القيام بها، و أشد ملازمة للأطفال ، ثم قدموا في الجنس الواحد من كان أشفق و أقرب ، ثم الرجال العصبات المحارم.

و اختلفوا أحيانا في ترتيب الدرجات بحسب ملاحظة المصلحة على النحو التالي ، علما بأن مستحقي الحضانة إما إناثا و إما ذكورا و إما الفريقان ، و ذلك في سن معينة ، فإذا انتهت تلك السن كان الرجل أقدر على تربية الطفل من النساء.

غير أن التعديل الجديد ذكر بعضهم ورتبهم درجة بدرجة ثم ترك البعض الآخر دون ذكر صفاته ودون تحديد درجة قرابتهم من المحضون ودلك من خلال نص المادة 64 من الأمر 05-02 المؤرخ في 27 فبراير2005 والتي رتبت من جديد المستحقين للحضانة فأصبح الأب ثانيا في الترتيب,.فنصت على أن:

“الأم أولى بحضانة ولدها ثم الأب,ثم الجدة الأم,ثم الجدة لأب, ثم الخالة ثم العمة, ثم الأقربون درجة مع مراعاة مصلحة المحضون في كل دلك وعلى القاضي عندما يحكم باسناد الحضانة في القانون الجزائري أن يحكم بحق الزيارة”.

ترتيب المستحقين للحضانة طبقا للتعديل الجديد

الولاية على الطفل نوعان ، ولاية على النفس و ولاية على المال ، فالولاية على المال هي الإشراف على شؤون القاصر المالية من استثمار، و تصرفات كالبيع و الإيجار و الرهن و غيرها ، فهذا النوع يقدَّم فيه الأب على الأم و من في جهتها.

و الولاية على النفس هي الإشراف على شؤون القاصر الشخصية من رعاية الصحة و التأديب و التهذيب و النمو الجسمي ، و التعليم و التثقيف في المدارس و نحو ذلك و عليه فإن ترتيب المستحقين للحضانة يكون على النحو التالي:

تقديم الأم على غيرها في الحضانة

الأم أحق بحضانة الولد بعد الفرقة بطلاق ، أو وفاة بالإجماع لشفقتها ، و دليل تقديم الأم من السنّة: ما روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت له : (( يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاءا ، و ثديي له سقاءا ، و حجري له حواءا ، و إن أباه طلقني و أراد أن ينتزعه مني ، فقال : ” أنت أحق به ما لم تنكحي “ .

وقال صلى الله عليه و سلم : ” من فرق بين والدة وولدها ، فرق الله بينه و بين أحبته يوم القيامة “.

وروي أن عمر ابن الخطاب طلق زوجته أم عاصم ، ثم أتى عليها و في حجرها عاصم ، فأراد أن يأخذه منها ، فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلام ، فانطلقا إلى أبي بكر رضي الله عنهما ،

فقال ابو بكر : ” مسحها و حجرها و ريحها خير له منك ، حتى يشبَّ الصبي فيختار لنفسه “.

و قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : (( الأم أصلح من الأب لأنها أرفق بالصغير و أعرف بتربيته ، و حمله ، و تنويمه ، و أصبر عليه ، و أرحم ، فهي أقدر و أصبر في هذا الموضوع ، فتعيّنت في حق الطفل تمييز المخير في الشرع.

ثم قال : و مما ينبغي أن الشارع ليس له نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقا بل لا يقدم المعتدي ، أو المفرط على العادل البار مطلقا ، فكل ما قدمناه إنما نقدمه إذا حصل به مصلحة الحضانة ، و إن دفعت به مضرتها ، فأما مع وجود فساد من إحداهما فالآخر أولى بها بلا ريب ))

و قال ابن القيم رحمه الله :

(( التقديم و التأخير و القرعة لا تكون إلا إذا حصلت به مصلحة الولد ، و كون كل واحد من الوالدين نظير الآخر، فلو كانت الأم أصون من الأب ،و أغير منه قدمت عليه ، و لا التفات إلى قرعة ، و لا تخيير للصبي في هذه الحال ، فإن الصبي ضعيف يؤثر عليه اللعب ، فيكون عند من هو أنفع له ، و لا تتحمل الشريعة غير هذا )).

و قال ابن مودود الحنفي :

(( و يكون الولد عندهن حتى يستغني عن الخدمة ، فيأكل وحده و يشرب وحده و يلبس وحده و يستنجى وحده ، و قدّره أبو بكر الرازي بتسع سنين ، و الخصاف بسبع سنين اعتبارا للغالب.

و إليه الإشارة بقول الصديق رضي الله عنه : هي أحق به حتى يشبّ ، و لأنه استغنى احتاج إلى التأديب بآداب الرجال ، و التخلق بأخلاقهم و تعليم القرآن و الحرف ، و الأب على ذلك أقدر فكان أولى و أجدر)).

و لهذا فإن الأم هي المدرسة الأولى للطفل ، و بالتالي لها التأثير البالغ في الحياة النفسية و استقرارها لدى الطفل من حيث تربيته و تهذيب أخلاقه، واستقامة سلوكه.

بالإضافة إلى ذلك فالأم هي مصدر الغذاء بالنسبة للطفل في بداية تكوينه الجسدي و العقلي ، و هي كذلك منبع العطف و الحنان ، و مجرى الحب و الشفقة ، و لهذا فالأم أولى بحضانة الطفل ، و إذا توفرت فيها الشروط لن ينازعها أحد في ذلك .

والمحكمة العليا هنا وفي أحد قراراتها التي تتعلق بمسألة إسناد الحضانة بالأخذ بمصلحة المحضون حيث جاء في إحدى قراراتها أن الأم أولى بحضانة ولدها ولو كانت كافرة حيث جاء فيه :

” من المقرر شرعا وقانونا أن الأم أولى بحضانة ولدها ولو كانت كافرة إلا إذا خيف على دينه ، وأن حضانة الذكر للبلوغ وحضانة الأنثى حتى سن الزواج ، و من ثم فإن القضاء بخلاف هذا المبدأ يعد خرقا للأحكام الشرعية والقانونية .

ولما كان قضاة الاستئناف في قضية الحال قضوا بتعديل الحكم المستأنف لديهم بخصوص حضانة الأولاد الثلاثة ومن جديد إسنادها للأب فإنهم بقضائهم كما فعلوا أصابوا بخصوص الولدين باعتبار أنهما أصبحا يافعين ، إلا أنهم أخطئوا بخصوص البنت خارقين بذلك أحكام الشريعة الإسلامية و المادة 64 من قانون الأسرة ومتى كان كذلك استوجب نقض القرار جزئيا فيما يخص حضانة البنت”.

وما يلاحظ على هذا القرار هو أخذه بما ذهب إليه كل من المالكية والحنفية في عدم اشتراط الإسلام في الحاضن ، بشرط أن تقوم هذه الأخيرة بتربية الولد على دين أبيه.

وجاء في قرار المحكمة العليا :” من المقرر قانونا أنه يمكن للقاضي تمديد فترة الحضانة بالنسبة للذكر إلى ستة عشر سنة إذا كانت الحاضنة أمه ولم تتزوج ثانية مع مراعاة مصلحة المحضون ، ومتى تبين من القرار المطعون فيه أن الحاضنة للطفل ليست أمه التي تزوجت بشخص غير محرم فإن الشروط المطلوبة غير متوفرة “.

وفي قرار آخر للمحكمة العليا في حكم قضى بالطلاق واسناد الحضانة في القانون الجزائري للأم وتم الطعن فيه بالنقض لأن سن الأبناء المحضونين تجاوز سن العاشرة وهم تحت رعاية الأب حيث جاء في ملخصه :

” أن لقضاة الموضوع الحق في تمديد الحضانة للذكر إلى سن السادسة عشر إذا كانت الحاضنة أما لم تتزوج ثانية ، مع مراعاة مصلحة المحضونين دون أن يكونوا قد خرقوا المادة 65 من قانون الأسرة”

وتجدر الإشارة أن التعديل الجديد لقانون الأسرة جاء بحكم يمس بجوهر إشكالية مسؤولية الحاضن عن أفعال محضونه الضارة في المادة 87 منه

والتي تنصّ على الولاية وجاء في نص المادة : أنه في حالة الطلاق تمنح الولاية من قبل القاضي إلى الطرف الذي أسندت له الحضانة (الأم أو الأب )

وهذا من شأنه أن يضع حدّا للمشاكل العديدة التي تعترض الحاضنة ولاسيما اشتراط إذن الأب في العديد من الحالات,في هذه الحالة نستطيع أن نقول بأنّ المشرع الجزائري قد وضع حدّا لمشكل مسؤولية الأم الحاضنة عن أفعال ابنها المحضون الضارة ، في قانون الأسرة بشكل واضح و جلي و لا ريب فيه

وبالتالي فإنّ الولاية بجميع أقسامها تنتقل إلى الأم في حالة الطلاق و إسناد الحضانة إليها ، و ذلك بقوة القانون وتعطى للأم الحاضنة سلطة مباشرة وكاملة على الولد المحضون و تصبح الأم الحاضنة مسؤولة عن أفعال ابنها المحضون الضارة بموجب المادة 134 من القانون 05-10 المؤرخ في 20يونيو 2005 على أساس مسؤولية متولي الرقابة بدون أي إشكال.

وكذلك نصت المادة 57 مكرر من قانون الأسرة المعدل و المتمم :

“أنه يجوز للقاضي الفصل على وجه الاستعجال بموجب أمر على عريضة في جميع الإجراءات المؤقتة ولا سيما تلك المتعلقة بالنفقة وحضانة الأطفال والزيارة والمسكن,حاليا المعمول به في المحاكم الإختصاص يعود لرئيس المحكمة للفصل على وجه السرعة و بموجب أمر على ذيل عريضة في هده المسائل وهي الأمور التي تقتضي السرعة للفصل فيها”.

إسناد الحضانة للأب

يتضح لنا من قراءة المادة 64 من قانون الأسرة الجزائري المعدل والمتمم أنها رتبت أب المحضون بعد الأم مباشرة ، و إن كانت أم الأب أسبق من الأب في استحقاق حضانة الطفل عند الإمامين مالك و أبو حنيفة

وطبقا لما جاء في نص المادة 64 من التعديل الجديد، فإن حضانة المحضون من حق الأب بعد الأم فعلى الأب أن يوفر للطفل من ترعاه من النساء كالخادمة أو أي امرأة تكون أمينة عليه و تتولى رعايته ، خاصة إذا كان الولد فطيما.

وهذا من أجل لم شمل العائلة في حالة ما اذا كان بعضهم عند الأب فمن الأجدر أن يعيش الإخوة كلهم تحت سقف واحد بدل أن يعيش المحضون معزولا مع خالته والبالغين مع أبيهم وهدا ينعكس سلبيا على حياتهم وحسن ما فعله المشرع لمعالجة المشاكل الواقعة حاليا.

والأب هو أولى بتربية أولاده والأجدر برعاية مصالحهم وبالنظر إلى مصلحة المحضون يمكن إسناد حضانة الولد لغير الأم مثلما جاء في قرار آخر للمحكمة العليا :

” من المستقر عليه قضاء أن الحضانة تمنح حسب مصلحة المحضون ، ولما كان ثابت في قضية الحال أن الحضانة أسندت إلى الأب مراعاة لمصلحة المحضون واعتمادا على تقرير المرشدة الاجتماعية التي تؤكد ذلك فإن قضاة الموضوع إعمالا لسلطتهم التقديرية فقد طبقوا القانون مما يستوجب رفض الطعن”.

الأولوية القانونية في إسناد الحضانة بعد الوالدين

1/ الجدة لأم: تأتي مباشرة بعد الأب لمشاركتها الأم في الإرث والولادة ، و كذلك لأن الجدة لأم أكثر رأفة و شفقة ولهذا فضلت جهة الأم على جهة الأب ونتيجته فضلت كذلك الجدة أم الأم على الجدة أم الأب لهذا السبب.

فالمشرع الجزائري في المادة 64 من قانون الأسرة الجزائري المعدل والمتمم قد توقف عند أم الأم فحسب ، فإن جمهور فقهاء الشريعة الإسلامية ، و منه بعض القوانين العربية لاسيما القانون السوري في المادة 139 الفقرة الأولى منه لم يتوقف عند أم الأم بل تعداها إلى جدة الأم أي أخذ بالقاعدة (( حق الحضانة للأم ، فلأمها و إن علت )).

فحضانة الأم لمحضونها تتقيد بشروط فنفس الشروط لابد أن تتوفر في أم الأم ، بالإضافة إلى عدم إقامتها مع أم المحضون المتزوجة بأجنبي.

وكذا انتقال حضانة الولد لأم الأم يكون دائما مؤيد بقرار من القاضي الفاصل في مادة الأحوال الشخصية.

2/ الجدة لأب: الجدة لأب تأتي مرتبتها مباشرة بعد الجدة لأم ، حسب الترتيب المحدد في المادة 64 من قانون الأسرة المعدل و المتمم بالأمر 05-02.

و يبدو أن المشرع تأثر بالمذهبين الشافعي و الحنبلي اللذان يقدمان الأب على أمه ، و هذا خلافا للمذهبين المالكي والحنفي اللذان يقدمان أم الأب على الأب .

3/ الخالة وبعدها العمة: خالة المحضون سواء كانت أخت شقيقة لأم ، أو أخت لأب،أو أخت لأم،تأتي مرتبتها في استحقاق الحضانة بعد مرتبة أم ، خلافا لما اتفق عليه جمهور الفقهاء وعلى رأسهم المذهب المالكي و الحنفي و الشافعي والحنبلي.

و عليه فإن المشرع الجزائري في المادة 64 من قانون الأسرة الجزائري المعدل و المتتم لم يساير مناهج جمهور الفقهاء ,وبالتالي فإنه لا يمكن مخالفة الترتيب المنصوص عليه في المادة 64 بالنسبة للحاضنين إلا إذا ثبت بالدليل من هو أجدر بالقيام بدور الحماية و الرعاية للمحضون كالعمة، مع العلم أن الإنفاق على الأب.

و كذلك إسناد الحضانة في القانون الجزائري للأخت من الأب بدل الخالة رغم مطالبتها بها يُعَدُ مخالفة للقانون.

إن شفقة الخالة على الصبي من شفقة أمه ، و في هذا اتفاق مع ما جاء في الأثر ، حيث روى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه و سلم قضى في ابنة حمزة لخالتها ، و قال: ” الخالة أم” .

وقد كان ذلك عندما اختصم علي و جعفر و زيد ابن حارثة – رضي الله عنهم – في أيّهم يحضن إبنة حمزة رضي الله عنه ، فسلمها رسول الله لخالتها و هي زوجة جعفر.

وبعدها مباشرة تأتي العمة وهذا طبقا للتعديل الجديد ويجب أن تتوفر في الخالة والعمة الشروط نفسها التي تتوفر في الحاضنة .

وما نستخلصه أن المشرع وضع مبدأ التداول في ترتيب المستحقين للحضانة تارة من جهة الأم وتارة أخرى جهة الأب مع منح الأولوية لجهة الأم.

4/ الأقربون درجة: طبقا لنص المادة 64 من قانون الأسرة الجزائري المعدل والمتم ، فإنها حددت مستحقي الحضانة في القانون الجزائري بالترتيب،لكن يؤخذ عليها أنها جاءت غامضة ومبهمة في نصها ” ثم الأقربون درجة “

وبالرجوع إلى نصوص قانون الأسرة ، لم يتبن لنا ما المقصود بالأقربون درجة وبالتالي إن سكوت قانون الأسرة في التعديل الجديد عن تحديد هؤلاء الأقربون درجة يؤدي بنا إلى الرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية عملا بالمادة 222 منه نجد أن الأراء الفقهية تختلف في تحديد هؤلاء الأشخاص لكنهم إتفقوا على التصنيف الآتي بيانه.

القريبات من المحارم

بالرجوع إلى المذاهب الأربعة نجدها إختلفت في ترتيب هذه القريبات على النحو التالي:

1/ المذهب الحنفي: يرتب أصحاب هذا المذهب القريبات الحاضنات بداية بأخوات المحضون ، ثم بنات الأخوات ثم الخالات ، على خلاف المذهب المالكي ، الذي يرتب الخالة بعد الأم مباشرة ثم بنات الإخوة ، ثم عمات المحضون ، فخالات الأم ، ثم خالات الأب ، ثم عمات الأم ، فعمات الأب ، و تقدم دوما الشقيقات على التي لأم على الأخت لأب.

2/ المذهب الشافعي : القريبات من المحارم فهن : الأخت ، ثم الخالة ، ثم بنت الأخت ، ثم بنت الأخ ، ثم العمة ، ثم بنت العمة ، ثم بنت العم ، ثم بنت الخال ، و تقدم الشقيقات على غيرهن ، و التي لأب تقدم على التي لأم على خلاف المذهبين المالكي و الحنفي.

3/ المذهب الحنبلي : يرتب أصحاب هذا المذهب القريبات الحاضنات للأخوات بدءا بالأخت الشقيقة ثم أخت لأم ، ثم أخت لأب ، فالخالة ، فالعمة ، ثم خالات أمه ، ثم خالات أبيه ، ثم عمات أبيه ، ثم بنات أخواته ، ثم بنات إخوته ، ثم بنات أعمامه ، ثم بنات عماته ، ثم بنات أعمام أمه ، ثم بنات أعمام أبيه.

4/ المذهب المالكي: يرتب القريبات من المحارم ابتداءا من الأخت الشقيقة على التي لأم و هذه الأخيرة على التي لأب ، ثم عمته أخت أبيه ، ثم عمة أبيه أخت جده ، ثم خالة أبيه ، ثم بنت الأخ الشقيق ، ثم الذي لأم ، و بعدها الذي لأب ، ثم بنت الأخت الشقيقة ، ثم التي لأم ، و تليها لأب ، و إذا اجتمع هؤلاء يقدم الأصلح منهن للحضانة ، و بعضهم رجّح بنات الأخ على بنات الأخت.

و إن تساوت الحاضنات في جميع ذلك تقدمت أكبرهن سنا ،فإن تساوين من كل وجه تُقدَّم دوما الشقيقة على التي لأم ، و تقدم هذه الأخيرة على التي لأب.

العصبات من المحارم من الرجال

لقد حددت المادة 150 من قانون الأسرة مفهوم العاصب بنصها :

” العاصب هو من يستحق التركة كلها عند انفراده أو ما بقي منها بعد أخذ اصحاب الفروض حقوقهم ، و إن استغرقت الفروض التركة فلا شيء له “.

و العاصب إذا كان رجلا فلا يكون إلا عاصبا بنفسه حسب ما حددته المادة 152 من قانون الأسرة الجزائري على أنه :” كل ذكر ينتمي إلى الهالك بواسطة ذكر “.

و قياسا على الميراث فإن حضانة الولد تعود لهؤلاء في حالة استغراق كل الأشخاص السالف ذكرهم ، و قد حددت المادة 153 من قانون الأسرة الجزائري هذا الصنف حسب أربع جهات ، أولها جهة البنوة ثم جهة الأبوة فتليها جهة الأخوة ، و أخيرا جهة العمومة .

و على ما تقدم فإن ترتيب هذه الفئة يكون بناءا على ما جاءت به الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالميراث و ولاية النكاح .

وعليه فالأخ هو أخ المحضون الشقيق ثم الذي يليه لأب عند فقهاء المذهب الحنفي خلافا للمذهب المالكي الذي يجعل الجد أسبق من الأخ و هو الجد لأب و إن علا ، ثم إبن أخ المحضون ، ثم عم المحضون الشقيق أولا ، ثم يليه الذي لأب.

و عم الأب يكون بمرتبة عم المحضون و بالتالي يحق له حضانة الطفل ، ثم أبناء العم ، ولا تثبت لهم إلا حضانة الذكور،إذ أنهم من العصبات غير المحارم ، و بالتالي فلا حضانة لهم لأنثى والعصبات تقدم كما في ميراث الأقرب فالأقرب .

المحارم من الرجال غير العصبة

لا تتوقف القرابة عند القريبات من المحارم ، أو العصبات من المحارم من الرجال ، حيث أنه إذا لم يوجد من هذه الفئات من يحضن الولد أو وجد و ليس أهلا للحضانة

إنتقل حق الحضانة في القانون الجزائري إلى محارم المحضون من غير العصبة و هم على الترتيب التالي : الجد لأم ثم الأخ لأم ثم إبن الأخ لأم ثم العم لأم ، ثم الخال الشقيق ، فالخال لأب ، فالخال لأم.

من يراه القاضي أصلح للمحضون

في حالة ما إذا لم يكن أهلا لحضانة الطفل أحد ممن سبق ذكرهم سالفا أو لم يوجد من يحضنهم لفقدانهم أو لعدم قدرتهم على حضانة المحضون كان للقاضي أن يختار من يراه أصلح لرعاية المحضون،و لو كان من الأقارب الذين ليس لهم حق الحضانة في القانون الجزائري مثل ابن العم فله حضانة إبنة عمه إذا كانت صغيرة غير مشتهاة،بحيث لا يخشى عليها الفتنة .

وحتى يستطيع القاضي تكوين قناعته التامة و تقدير مصلحة المحضون بصفة دقيقة له في ذلك اللجوء إلى عدّة وسائل من خلالها يقدّر ويصدر حكمه ومن ذلك :

  • التحقيق و المعاينة : للقاضي الإستماع إلى أطراف النزاع سواء الأب أو الأم ، و تحديد أيّهما أصلح لمراعاة مصلحة المحضون .
  • الإنتقال للمعاينة : و هذا إلى المكان الذي تمارس فيه الحضانة و معرفة الظروف المحيطة بذلك الوسط الذي يعيش فيه المحضون
  • الإستماع إلى أفراد العائلة : للقاضي أن يطلب حضور أقارب الخصوم أو أصهاره أو زوج أحد الخصوم بالإضافة إلى إخوة و أخوات و أبناء عمومة الخصوم وعليه يمكن القول أنّ قوام الحضانة في القانون الجزائري هو تحقيق المصلحة الفضلى للطفل .

وعلى الرغم من السلطة الكاملة التي يتمتع بها قاضي الأحوال الشخصية في إصدار الأحكام المتعلقة بالحضانة إلا أنه ونظرا لأن مصلحة الأطفال تختلف باختلاف الأعمار فما يكون أصلح للطفل الرضيع لا يكون أصلح للطفل الصغير البالغ من العمر سبع سنوات.

لأن مصلحة الرضيع هي مع أمه إلى غاية بلوغ سن الفطام على الأقل ، في حين أنّ الطفل الصغير قد تكون مصلحته مع أبيه.

لكن لو قلنا أنّ الحضانة لا تقبل التجزئة فما هي مصلحة المحضونين هنا ، هل مع أمّهم أو مع أبيهم ؟

و قد لاحظنا على مستوى غرفة الأحوال الشخصية بمجلس قضاء سيدي بلعباس صدور قرار قضى بإسناد حضانة الأبناء كلهم إلى أمهم مخالفا في ذلك حكم الدرجة الأولى الذي أسند إلى الأم بنت واحدة مؤسسين قرارهم على أنّ مصلحة الأبناء تقتضي ذلك .

ومع ذلك يمكن القول أن تعديل المادة 64 من قانون الأسرة جاء لمعالجة الواقع الذي تعيشه الأسرة الجزائرية لا سيما فيما يتعلق بأحقية ممارسة الحضانة في القانون الجزائري بسبب الطلاق أو الوفاة,وأن حق الأب كان مهضوما على إعتبار أن دوره في ممارستها يأتي بعد إنقضاء جهة الأم بأكملها.

فتعديل27 فيفري 2005 وإن خرج عن المذهب المالكي وبقية المذاهب في مسألة ترتيب الحاضنين فإنه حاول أن يساوي بين جهة الأم والأب ,وإن أبقى الأولوية لجهة الأم على جهة الأب إلا أنه أقر بمبدأ التداول وفي إعتقادنا أنه حسن ما توجه له.

وإذا كانت المادة 64 بعد التعديل واضحة المعالم بشان المراكز القانونية التي تعرض بعد صدور القانون الجديد,إلا أنه يظل الاشكال قائما حول المراكز القانونية التي نشأت في ظل القانون القديم ولم تكتمل إلا بصدور القانون الجديد

فإذا ما نازع الأب الجدة لأم من أجل إسناد حضانة ولده أثناء سريان القانون القديم وحكم لصالح الجدة لأم في ممارسة الحضانة وبعدها بأيام صدر القانون الجديد الذي يمنح للأب مرتبة أسبق من الجدة لأم

وهذا الذي دفع الأب لرفع دعوى للمطالبة بإسناد حضانة الإبن له على أساس أن مركز الجدة لأم الذي تشكل في ظل القانون القديم لم يكتمل إلا في ظل القانون الجديد والاكتمال الذي نقصده هو إنقضاء الحضانة في القانون الجزائري ببلوغ المحضون السن المحددة قانونا.

الأثار المترتبة عن إسنادها طبقا للتعديل الجديد

إن انحلال الرابطة الزوجية ، من شأنه أن يرتب إسناد حضانة الأولاد لأحد الزوجين أو غيرهما ممنّ هو أحق بها قانونا و شرعا ، و لعلّها تكون الأم مبدئيا لكونها الأنسب و الأجدر بها ، و ينتج عن ذلك آثر تتطلبها ممارسة الحضانة ، و مراعاة مصلحة المحضون لينشأ سليما.

و يتجلى ذلك فيما تتطلبه الحضانة في القانون الجزائري من نفقة على المحضون ، و إضافة إلى ذلك و كون الحاضنة تبذل مجهودات مادية و معنوية مضنية في سبيل تربية المحضون ، و السهر على مصالحه.

فهل يتطلب ذلك مقابلا لها بما يعبر عنه بـ ” أجرة الحضانة ” ؟

كما أن ممارسة الحضانة في القانون الجزائري تقتضي أن يكون تحت سقف بيت ، ينموا في دفئه المحضون ، تحت رعاية الحاضنة له .

وزيادة على ذلك فإن حضانة الطفل بعد طلاق والديه ، يفترض ابتعاده عن أحدهما ، و لمجابهة ذلك اقتضى القانون و الشرع، من أن يحكم القاضي بحق الزيارة عند اسناد الحضانة .

تلك هي الآثار المترتبة عن الحضانة في القانون الجزائري و التي سنتناولها كما يلي :

نفقة المحضون و أجرة الحاضنة

إن حضانة الطفل بما تنطوي عليه من تغذية و كسوة ،و علاج ، و تربية و سكن،وكل ما يتطلبه المحضون من احتياجات لمعيشته،وتنشئته التنشئة القويمة،كل ذلك يتطلب مجهودات مادية قوامها المال،وتتجلى في نفقة المحضون ،لكن هل نفقة المحضون من شأنها أن تنطوي على مقابل لما تبذله الحاضنة من مجهودات مضنية ، في سبيل رعاية المحضون و حسن تنشئته ؟

أم أن هذه الجهود تتطلب لها مقابلا مستقلا عن نفقة المحضون ، بما يسمى بأجرة الحاضنة؟ ذلك ما سنحاول الإجابة عليه كالآتي:

أولا:نفقة المحضون:

1/ نصت المادة 78 من قانون الأسرة الجزائري المعدل والمتمم في تعريفها للنفقة في مفهومها العام على:
(( تشمل النفقة : الغذاء و الكسوة و العلاج،و السكن و أجرته،و ما يعتبر من الضروريات في العرف و العادة)) .

وهذا معناه أن النفقة هي كل ما يحتاج إليه الإنسان لإقامة حياته من طعام و كسوة و علاج ، و سكن و خدمة و كل ما يلزم بحسب العرف و العادة ، و هي ما يصرفه الزوج على زوجته و أولاده و أقاربه بحسب المتعارف عليه بين الناس،وحسب وسع الزوج.

والنفقة تجب للفروع على الأصول ، كما تجب للأصول على الفروع حسب القدرة و الإحتياج ، و الأصل أن النفقة تعود إلى سببين اثنين هما : الزواج و القرابة.

2/ و بخصوص نفقة المحضون نصت المادة 75 من قانون الأسرة الجزائري المعدل والمتمم على :

(( تجب نفقة الولد على الأب ما لم يكن له مال ، فبالنسبة للذكور إلى سن الرشد ، و الإناث إلى الدخول ، و تستمر في حالة ما إذا كان الولد عاجزا لآفة عقلية أو بدنية ، أو مزاولا للدراسة و تسقط بالإستغناء عنها بالكسب))

وتهدف هذه المادة إلى قيام واجب الأب بالنفقة على ابنه الذي لا مال له ، و تستمر هذه النفقة إلى بلوغ الولد الذكر سن الرشد ، أما الإناث فإلى زواجهن بالدخول بهن .

كما تستمر نفقة الأب على أولاده العاجزين عن الكسب لعاهة عقلية أو بدنية ، أو لسبب مزاولتهم الدراسة ، و يسقط واجب الأب في النفقة عند استغناء من قُدِّرت لمصلحته عنها بالكسب ، فلا تجب النفقة على الأب لفائدة ابنه المزاول للدراسة بعد أن ينهي دراسته و يستغني عن نفقة أبيه بأن يصبح له دخل من عمل أو حرفة .كما يسقط واجب النفقة عن الأب المعسر .

فنستنتج هنا أنه لكي تكون نفقة من الأب على ابنه يجب أن يكون الأب قادرا ، و أن يكون الإبن محتاجا لها ، لكونه لا مال له أو لكونه صغير السن ، أو ذا عاهة أو مزاولا لدراسة إلى أن يستغني عنها بالكسب .

أما البنات فيبقى واجب الإنفاق عليهن قائما إلى زواجهن و الدخول بهن، فبذلك ينتقل واجب النفقة عليهن من الأب إلى الزوج . ويبقى هذا حكم النفقة على الإبن سواء في إطار زوجية قائمة أو في إطار حضانة مسندة بعد انحلال علاقة الزواج .

3/ و ينتقل واجب الأب بالإنفاق على الأبناء إلى الأم إن كان معسرا أو عاجزا عن النفقة، و هذا ما نصت عليه المادة 76 من قانون الأسرة بنصها على :

(( في حالة عجز الأب تجب نفقة الأولاد على الأم إذا كانت قادرة على ذلك))

فَنَقَلَ المشرع هنا واجب النفقة من الأب العاجز عنها إلى الأم بشرط قدرتها على النفقة ، بأن يكون لها مال .

و يجدر القول هنا بأن المادة عبّرت عن اعسار الأب بكلمة ” عجز “ ، ويقصد بها هنا عدم القدرة التامة على الكسب لا مجرد فقره و إعساره, و إلاّ لتقاعس الآباء عن الكسب و النفقة على أبنائهم المحضونين لدى مطلقاتهم أو غيرهم ممن يستحقها في إطار مراعاة مصلحة المحضون

بل إن الفقهاء يذهبون إلى حد إمكانية الحكم بحبس الأب المتقاعس على كسب قوت أبنائه رغم قدرته على ذلك ، فالأصل ألا يحبس الوالد و إن علا في دَيْن لابنه و إن سَفُلَ ، إلا دَيْن النفقة.

وقد ذهب فقهاء الحنفية إلى حد تكليف الجد و العم و غيرهم من الأقربين درجة بنفقة الأبناء إن عجز عنها الأب

أما السكن أو أجرته فنصت عليه المادة 72 المعدلة بالأمر 05-02 والتي ألزمت الأب أن يوفر لممارسة الحضانة سكنا ملائما للحضانة وإن تعدر دلك فعليه دفع بدل الإيجار.

4/ ولتقدير قيمة النفقة : فالأصل أن ينفق الأب على ابنه المحضون دون ما حاجة إلى حكم قضائي ، لكن عند امتناع الأب عن الإنفاق يقوم لمن كانت له حضانة الولد حق المطالبة بنفقة المحضون لارتباط هذه النفقة بالحضانة.

فلا يمكن للحاضنة أن تمارس حضانتها للطفل إلا بتحقق الإنفاق عليه و قد نصت المادة 79 من قانون الأسرة الجزائري في مسألة تقدير النفقة على ما يلي :

(( يراعي القاضي في تقدير النفقة حال الطرفين و ظروف المعاش و لا يراجع تقديره قبل مضي سنة من الحكم )) .

ويظهر من هذه المادة أنها تحدد معايير تقدير النفقة بين الزوجين ، لكن لا مانع من اعتماد هذه المادة لتحديد نفقة المحضون في إطار احتياجات هذا الأخير من أجل رعاية الولد و تعليمه و القيام بتربيته و تنشئته التنشئة السليمة و تحقيق الحماية له صحة و خلقا

و يكون ذلك بلتلبية حاجياته المعيشية من مأكل و مشرب و كسوة و علاج ومسكن و دراسة… وما يستمد من المادة 79 من قانون الأسرة الجزائري أن القاضي لماّ يقدر النفقة يأخذ بعين الإعتبار وسع الزوج .

كما يجب أن يراعي القاضي ظروف المعيشة و المستوى الإجتماعي ، و قد بيّن محمد صديق حسن خان هذه المعطيات على النحو التالي : (( … أقول هذا يختلف باختلاف الأزمنة و الأمكنة و الأحوال والأشخاص، فنفقة زمن خصب المعروف فيها غير المعروف في زمن الجدب

و نفقة أهل البوادي و المعروف فيها ما هو الغالب عندهم و هو غير المعروف من نفقة أهل المدن.

و كذلك المعروف من نفقة الأغنياء على اختلاف طبقاتهم غير معروف من نفقة الفقراء …وكذلك فالحاكم عليه مراعاة المعروف بحسب الأزمنة و الأمكنة و الأحوال و الأشخاص مع ملاحظة حال الزوج في اليسر و الإعسار.

وحسب المادة 79 من قانون الأسرة الجزائري فإنه لا يجوز للحاضنة المطالبة بمراجعة نفقة محضونها إلا بعد مرور سنة من يوم الحكم بها.

كما يجب على القاضي حين إعادة النظر في تقدير النفقة أن يراعي المعايير السابقة.

وقد أكدت المحكمة العليا في معظم قراراتها الحديثة على وجوب إنفاق الأب على ابنه المحضون حسب حاله ولا يمكن له التذرع بشهادة عدم العمل لإعفائه من النفقة على أولاده والأم الحاضنة لا تملك حق التنازل عن نفقة الأولاد وكذلك فإن يسار الزوجة لا يسقط حقها وحق أولادها في النفقة دون مبرر شرعي .

والجدير بالذكر أن كل من فرنسا و مصر و تونس دول تعتمد على الصندوق لضمان دفع النفقة المستحقة قانونا إذ يتم إنشاء هدا الصندوق في إطار قانون المالية ، على أن يحِّل الصندوق محل الدائن بالنفقة و تخوّل له جميع الطرق و الوسائل القانونية المجدية و الفعالة لتحصيل المبالغ التي يكون قد دفعها للدائن الأصلي بالنفقة.

وهذا حسب قرار المحكمة العليا أهم ما جاء فيه أنه من المقرر قانونا أنه في تقدير النفقة يراعي القاضي حال الطرفين وظروف المعاش , أما الشهادة الصادرة عن البلدية والمقدمة من طرف الطاعن لا يمكن الأخذ بها كدليل على وضعيته انه عاطل عن العمل لأن هذه الشهادة تصادق فقط على إمضاء الشاهدين.

ثانيا:أجرة الحضانة:

إن الحضانة في القانون الجزائري بما تتمثل في رعاية الولد و تعليمه و القيام بتربيته على دين أبيه و السهر على حمايته وحفظه صحة و خلقا ، يجعل منها عملا متعبا و مضنيا و شاقا بما تتطلبه الحضانة من إمكانيات و جهود مادية و معنوية و طاقة جسدية يمتدّ بذلها خلال سنوات الحضانة في سبيل رعاية الطفل ، و إنشاء شباب ليكونوا رجال الغد

و التساؤل المثار هنا هو هل لهذه الجهود مقابل مادي يشكل أجرة للحضانة ؟ أم أن ذلك البذل يكون في إطار سنّة الحياة بأنّنا ربّانا آباؤنا و علينا تربية أبنائنا ؟ ذلك ما سنحاول الإجابة عليه فيما يلي :

1/ الحضانة لا تتطلب أجرا :

رغم أن المشرع الجزائري قد نص على نفقة المحضون في المواد 77، 78 ، 79 من قانون الأسرة إلاّ أنّه لم يتطرّق إلى أجرة الحاضنة مما يتطلب منّا حسب المادة 222 من قانون الأسرة الرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية.

و بالإطّلاع على الفقه نجده لم يثبت على موقف واحد بخصوص أجرة الحضانة فمنهم من قال بعدم وجود مقابل أو أجر للحاضنة على حضانتها للأولاد بعد طلاق ، و منهم من قال بحقِّها في أجرة الحضانة.

فيرى الإمام مالك أنه ليس للحاضنة أجرة على حضانتها سواء كانت أمًّا للطفل أم لا ، و بغضِّ النظر عن حالتها المادية ، فإن كانت فقيرة و لولدها المحضون مال أنفق عليها منه لفقرها و ليس لحضانتها و للمحضون على أبيه النفقة و الكسوة و الغطاء و الفراش ، و الحاضنة تقبضه منه و تنفقه على الولد.

و قول ” اللّخمي” و هو من فقهاء المالكية ” أنّ الأولاد إذا كانوا يتامى كان للأم أجرة الحضانة إن كانت فقيرة ، و الأولاد موسرين ، لأنّها تستحق النفقة في أموالهم و لو لم تحضنهم “.

و هذا يعني أنّ الأم في هذه الحالة لا تقبض مقابلا عن حضانتها للأولاد و إنّما تتلقى المال منهم لقيام واجب نفقة الفرع على الأصل لاحتياج الأخير له و يسر الأول.

2/ حق الحاضنة في أجرة الحضانة:

يرى فقهاء الحنفية أنه تجب للحاضنة أجرة إن لم تكن الزوجيّة قائمة بينها و بين أبِ الولد ، و لم تكن معتدّة من طلاق رجعي، و كذلك لا تستحق أجرة الحضانة  إذا كانت معتدة من طلاق بائن ، و تستحقّ النفقة من أب الطفل.

و هذا على أحد قولين مصحّحين في مذهب أبي حنيفة ، و عليه العمل و ذلك لأن هذه الأجرة ليست عِوَضًا خالصًا ، بل هي كأجرة الرضاع للأم مؤونة و نفقة و بما أن النفقة ثابتة لها بمقتضى الزوجيّة لقيامها ، أو وجود العدّة فإنّها لا تأخذ نفقتين من شخص واحد ، و إنّ تعدّد السبب و ما عدا هؤلاء من الحاضنات يأخذن أجرة للحضانة.

وأجرة الحضانة تكون واجبة في مال الولد نفسه ، إذا كان له مال ، لأن نفقته تكون في ماله و أجرة الحضانة من النفقة، و إن لم يكن له مال فإن أجرة الحضانة تكون على من تجب عليه نفقته .

و تكون على الأب إذا كان موجودا و كان قادرا ، فإن لم يكن له أب أو كان عاجزا فإنها تجب على غيره من سائر الأقارب ، و إذا أبت الأم أن تحضنه إلا بأجرة و وُجدت متبرّعة فإنّ الأم أولى إذا كانت أجرة الحضانة على الأب ، و كان موسراً أو كانت المتبرّعة ليست من الحاضنات.

أما إذا كانت المتبرّعة من الحاضنات و كانت أجرة الحضانة في القانون الجزائري على الأب و كان الأب غير موسر ، أو كانت أجرة الحضانة من مال الولد ، فإنّ المتبرعة أولى لأنّ الحضانة لمصلحة الولد ، و من مصلحته المحافظة على ماله ، و المتبرّعة تنظر إلى مصلحته في الجملة ، لأنّها ذات رحم محرم منه.

و أمّا عدم الوجوب على الأب و هو غير موسر فلأنّ إلزامه بأجرة الحضانة مع وجود المتبرّعة في هذه الحال مضارّة به ، و الله سبحانه و تعالى يقول : (( لا تضار والدة بولدها و لا مولود له بولده)).

والفرق بين التبرع بالحضانة و التبرع بالرضاعة أن المتبرعة في الرضاعة تُقدَّم في كل الأحوال قريبة كانت أو أجنبية ، سواء كانت النفقة على الأم أم كانت على الأب ، و سواء كان الأب موسرا أم معسرا

و أما في الحضانة فلابدّ من أن تكون المتبرعة من الحاضنات ، و لابدّ من أن يكون الأب غير موسر ، أو تكون الأجرة من مال الولد .

و يلاحظ أنّه إذا كان الأب معسرا ، و الولد لا مال له ، و لم توجد متبرعة فإن الأم تحضنه و تقدّر لها أجرة و تكون تلك الأجرة و الأداء على من يلي الأب من نفقة الولد و لكنّه يؤديها على أنّها دين على الأب يأخذه منه إذا أيسر.

أمّا إذا كان الأب عاجزا فإنه لا يجب عليه شيء ، و تكون الأجرة واجبة على من يليه في الإنفاق ، هذا ما قرره فقهاء الحنفية بالنسبة للأم إذا طالبت بالأجرة ، و وجدت متبرعة و كان الأب معسرا ، و الظاهر أن حكم غير الأم من الحاضنات كذلك إذا تبرّعت حاضنة و تمسّكت من هي أقرب منها بالأجرة ، إذ لا فرق بين الأم و غيرها بالنسبة للتبرع و الإعسار.

و نستخلص عن مذهب الإمام أبي حنيفة أنّ أجرة الحضانة هي جزء من النفقة على المحضون فما جاء عنه أنّ : ” أجرة الحاضنة ليست عِوَضًا خالصا و إنما هي كأجرة الرّضاع للأم مؤونة و نفقة “

و ذلك ما ذهب إليه اتفاق عرف الفقهاء في كون أجرة الحضانة ليست عوضا خالصا و إنّما فيها شبه بالنفقة ، فنقول أنّ ما يدفع للحاضنة مقابل ما تقوم به من عمل هو أجرة.

و إذا نظرنا إلى أنّ نفقة الطفل واجبة عليه في ماله ثم على أبيه و من جملة ما ينفق عليه ، الإنفاق على الحاضنة التي حبست نفسها لأجله ، فنقول أنّ ما يدفع إليها هو نفقة ، فهي ليست نفقة خالصة و لا أجرة خالصة.

– و بعدما وضّحنا ما يخص نفقة المحضون و أجرة الحاضنة يجدر بنا أن نتعرض إلى مسألة سكن الحضانة ، و هو المكان الذي لابدّ من وجوده لممارسة حضانة الأطفال .

مسكن لممارسة الحضانة أو دفع بدل الإيجار

إن مناط معيشة الإنسان أن يكون له سكن يأويه و يحتمي تحت سقفه من حرّ الصيف و برد الشتاء ، و يجد فيه الدفء و الحنان والألفة ، فالطفل يتلقّى ما يلزمه من احتياجات مادية و معنوية ، من مأكل و مشرب و ملبس و غذاء لجسده و روحه ، و يحضن تحت سقف بيت تمارس فيه الحضانة .

ولهذا فقد ألزمت المادة 72 المعدلة بالأمر 05-02 بوضوح وبصريح العبارة الأب بأن يوفّر سكنا لممارسة الحضانة فيه وإلا فإنّه يُكلَّف بدفع بدل الإيجار.

ونستخلص من هذه المادة أنّ توفير سكن لممارسة الحضانة في القانون الجزائري لازم و لصيق بها ، إذ هو المجال و الإطار الذي ينشأ فيه الطفل و يُرعى و يُربّى وهو المكان الذي يُتَطَلَّبْ لتحقيق مضمون الحضانة ممّا نصت عليه المادة 62 من قانون الأسرة المعدل و المتمم .

وأكدت المحكمة العليا المبدأ الوارد في المادة 72 من قانون الأسرة المعدل و المتمم بإلزام الأب بتوفير سكن للحضانة أو دفع أجرته ، و ذلك بالقرار الصادر عن غرفة الأحوال الشخصية الذي مفاده أنّ :

” عدم الاستجابة لطلب الطاعنة في تخصيص سكن لها لممارسة الحضانة أو منحها مقابل لإيجار سكن ، رغم القضاء لها بعد الطلاق بنفقة العدّة و نفقة إهمال و تعويضها عن الطلاق و الحكم لها بنفقة الأولاد المحضونين ، إلا أنّه و حسب المادة 72 من قانون الأسرة فإنّه يقع على عاتق الأب أن يوفر للمحضون سكنا أو أجرته ، ممّا كان يستوجب على القضاة أن يحكموا لها بالسكن أو بأجرته “.

أما فيما يخص مسألتي مكان ممارسة الحضانة والانتقال بالمحضون فعند انقضاء عدّة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها فلا يُلزمها أحد على البقاء بالمحضون في بيت الزوجية ،فلها أن تنتقل به إلى مكان آخر من نفس البلد الذي بدأت فيه الحضانة .

والملاحظ بأنّ المشرع الجزائري لم ينص صراحة على المكان الذي يجب أن تمارس فيه حضانة الصغير و لكننا نستنتج ذلك من خلال ما جاء في نص المادة 69 من قانون الأسرة ، إذ تنص على أنّه :

” إذا أراد الشخص الموكل له حقّ الحضانة أن يستوطن في بلد أجنبي رجع الأمر للقاضي في إثبات الحضانة له أو إسقاطها عنه مع مراعاة مصلحة المحضون “ .

بمفهوم المخالفة نجد أنّ المشرع يريد بالحاضن أن يمارس حقّه في الحضانة في بلد المحضون ، و الذي يعتبر محل إقامة أبيه ، حتى يتمكن هذا الأخير من مراقبة ابنه و زيارته و رعايته .

أمّا إذا أراد الحاضن أن يستوطن في بلد أجنبي رجع الأمر لسلطة القاضي التقديرية في أن يثبت الحضانة له أو إسقاطها عنه مراعيا في ذلك مصلحة المحضون.

وتؤكد المحكمة العليا في قرارها الصادر عن غرفة الأحوال الشخصية،والذي مفاده أنّه:

” من المقرر شرعا و قانونا أنّ إسناد الحضانة في القانون الجزائري يجب أن تراعى فيه مصلحة المحضون و القيام بتربيته على دين أبيه، و من ثمّة فإنّ القضاء بإسناد حضانة الصغار إلى الأم التي تسكن في بلد أجنبي بعيدا عن رقابة الأب كما هو حاصل في قضية الحال ، يعدُّ قضاءا مخالفا للشرع و القانون و يستوجب نقض القرار المطعون فيه .”

قد تسقط الحضانة في القانون الجزائري عن الأم في حالة انعدام أهليتها لذلك ، أو في حالة توفر فيها أهلية الحضانة لكن مصلحة المحضون لا تقتضي أن يعطيها لها ، فهنا تنتقل الحضانة في القانون الجزائري من الأم إلى الأب وفقا للترتيب الذي جاء في قانون الأسرة الجزائري المعدل والمتتم في المادة 64 منه .

كما أنّه لا يحق للأب أن ينزع الولد من أمّه و يسافر به إلى مكان بعيد عن مكان إقامة الحاضنة ، أمّا في حالة انتقال الحاضنة إليه فالسؤال المطروح هنا: هل يجوز للأب أو من يقوم مقامه أن يسافر بالمحضون ؟

إنّ المشرع الجزائري لم يفصِّل و لم يوضِّح هذه المسألة ، بينما قد اختلفت آراء الفقهاء بشأن هذه المسألة.

أ/ المالكية: لقد سوى فقهاء المالكية بين الحضانة و الوليّ في إسقاط حضانتها إذا سافر أحدهما إلى بلد آخر بمسافة تقدّر بما يزيد عن ستِّ بُرَد، و هوما يعادل تقريبا 133 كلم بقصد الإقامة.

فإذا سافر الوليّ سواء كان الأب أو من يقوم مقامه بقصد الإقامة ، مسافة تبعد عن بلد الحاضنة بستِّ بُرَد فأكثر ، له أخذ الولد من الحاضنة بشرط أمن الطريق و أمن المكان المقصود

و يسقط حق الحاضنة في الحضانة إذا سافرت معه ، و بالتالي فلا يسقط حقّه في الحضانة بانتقاله .

ب / الشافعية: إلا أنّ الشافعية قد فرّقوا بين السفر لحاجة ، و بين السفر لنقله ، فإذا أراد الوليّ السّفر لحاجة كان المحضون مع المقيم حتى يعود المسافر و ذلك لما في السفر من خطورة على المحضون .

أما إذا كان السفر لنقله كان الأب أولى بحضانة الصغير بشرط وجود الأمن في طريقه و أمن البلد المقصود له
فإن لم يكن هناك أمن بقي الصغير في حضانة أمّه .

ج/ الحنابلة: بينما يرى الحنابلة أنّه إذا أراد أحد الوالدين نقل المحضون إلى بلد مسافته أكثر من ستّ بُرَد و كان البلد و الطريق آمنا ، من أجل السكن ، فهنا الأب أحق بحضانته سواء كان الأب المقيم أم هو المنتقل لأنّ الأب هو الذي يقوم عادة بتأديب الأبناء و حفظ نسبهم .

د/ الحنفية: يرى الحنفية أنّه إذا كان المحضون في حضانة أمّه أو غيرها فلا يجوز للأب الإنتقال به إلاّ برضاه ، لأنّ فترة الحضانة هذه من حقّها ، إلاّ إذا سقطت حضانتها و لا يوجد من يليها بالترتيب و انتقلت للأب

فإذا أراد السّفر به جاز له ذلك على أن يكون سفر الأب بالمحضون إلى بلد قريب من بلد الأم لتمكينها من رؤيته ، و إلاّ يجوز ذلك .

وما نستخلصه من اختلاف الآراء أنّ السفر لا يسقط حقّ الحضانة ، و هذا عند الحنفية ، بينما يسقطها في رأي الجمهور ( المالكية و الشافعية و الحنابلة ).

إذ أنّه يجب أن تتوفر في السفر راحة الصغير و مصلحته و صحّته ، فإذا كان فيه مخاطر على المحضون فلا يجوز لأيّ من الأبوين أو غيرهما السّفر به.

و تجدر الإشارة أنّ المسألة ترجع للقاضي في تقدير ذلك إذا كان الإنتقال بقصد الإستيطان دائما مراعيا مصلحة المحضون .والجدير بالذكر الإشارة الى المادة 467 /2 من القانون المدني التي تنص على أن:

” و في حالة الطلاق يجوز للقاضي أن يعيِّن من الزوجين من يمكنه أن ينتفع بحق الإيجار باعتبار تكاليف هذا الزوج من أجل حضانة الأولاد خاصة” .

كما نصّت المادة 12/2 من المرسوم رقم 76-147 المتضمن تنظيم العلاقات بين المؤجِّر و المستأجر لمحلّ معدّ للسكن و تابع لمكاتب الترقية و التسيير العقاري على أنّه :

” و في حالة الطلاق ، يؤول حقّ الإيجار و حقّ البقاء بالعين المؤجّرة للزوج المعيّن من قبل القاضي طبقا لأحكام المادة 467/2 من الأمر رقم 75-58 المتضمن القانون المدني “ .

وما يستفاد من هذه المواد المأخوذة من قوانين و مراسيم مختلفة ، أنّها تهدف إلى تمكين الأم المطلقة من مسكن أو أجرته لممارسة الحضانة .

وقد ساير المشرع في التعديل الجديد هده المواد بإلزامه للأب بنص صريح واضح لالبس فيه من خلال المادة 72 قانون الأسرة المعدل والمتمم.

أما المادة 467/2 من القانون المدني نصت على أنّه في حالة الطلاق ، يمكن للقاضي أن يُعَيِّْن من بين الزوجين من يستفيد من حقّ الإيجار بالنظر إلى التكاليف المسندة إليه لا سيما حضانة الأولاد .

و يدخل ذلك في إطار وجوب توفير مسكن لممارسة الحضانة في القانون الجزائري ، فمن خلال هذه المادة يمنح القاضي للزوجة حق الإيجار إن كانت حاضنة .

حق الزيارة

إن إسناد الحضانة في القانون الجزائري إلى مُستحقِّها ، و الذي يكون في الغالب للأم ، باعتبارها الأولى بها رعاية لمصلحة المحضون، ممّا يؤدي به حتما إلى الإبتعاد عن والده وهذا يستدعي معه إيجاد وسيلة للمحافظة على توازن الطفل من جهة ، و عدم الإضرار بالوالد من جهة أخرى، بتمكينه من زيارة و رؤية ابنه المحضون.

و الزيارة على العادة لاتكون يومية ، بل يوما في عدد من الأيام ، لكن لابأس أن تزور الأم ابنها أو ابنتها يوميا إن كان منزلها قريبا.

و إن كانت الأم مع الولد بمنزل زوج لها ، فإنه يجب لكي يتمكن الأب من الزيارة أن يأذن بذلك الزوج ، لأنّ هذا حقّه ، فإن لم يأذن به فعلى الأم إخراج الولد إليه لكي يراه و يتفقد أحواله و يباشر شأنه

ويرى الإمام أبو زهرة أنّه : ليس للحاضنة أن تمنع الأب من رؤية ولده ، و لا تُجبر على إرساله ، كما أنّه ليس له إن سقط حقُّ الأم في الحضانة في القانون الجزائري أن يمنعها من رؤية ولدها و لا يُجبر على إرساله إليه

وتنص المادة 64 من قانون الأسرة الجزائري المعدل والمتمم على أنّه : ” … و على القاضي عندما يحكم بإسناد الحضانة أن يحكم بحق الزيارة”.

ما يستشف من هذه المادة أنّه على القاضي أن يحكم بحق الزيارة لمرّات معينة و في أوقات و أماكن محدّدة عند الحكم بإسناد الحضانة .

وحق الزيارة من الحقوق التي حماها القانون نظرا لأهميته البالغة و رعاية دائمة لمصلحة المحضون ، بل رتّب عقوبات جزائية لمن يُخلّ بهذا الحق ويعبث به حسب نص المادة 328 من قانون العقوبات بأنّه:

” يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة ، و بغرامة من 20,000 إلى 100,000 دج الأب أو الأم أو أيّ شخص آخر لا يقوم بتسليم قاصر قُضِي في شأن حضانته بحكم مشمول بالنفاذ المعجل ، أو بحكم نهائي إلى من له الحق في المطالبة ، و كذلك كل من خطفه ممّن وُكِّلت إليه حضانته ، أو من الأماكن التي وضعه فيها أو أبعده عنه ، أوعن تلك الأماكن أو حمل الغير على خطفه أو إبعاده حتى و لو وقع ذلك بغير تحايل أو عنف ، و تزداد عقوبة الحبس إلى 3 سنوات إذا كانت قد أُسقِطت السلطة الأبوية عن الجاني “

وتكرّس حق الزيارة في عدّة قرارات للمحكمة العليا إذ جاء في القرار الصادر عن غرفة الأحوال الشخصية أنّه : متى أوجبت أحكام المادة 64 من قانون الأسرة على أنّ القاضي حينما يقضي بإسناد الحضانة أن يحكم بحق الزّيارة ، فإنّه من الواجب أن يكون ترتيب هذا الحق ترتيبا مرنا وفقا لما تقتضيه حالة الصغار

فمن حق الأب ان يرى ابنائه على الأقل مرّة في الأسبوع لتعهّدهم بما يحتاجون إليه و التعاطف معهم ،و من ثمّ فإنّ القرار المطعون فيه القاضي بترتيب حق زيارة الأب مرتين كل شهر ، يكون قد خرق القانون ، و متى كان كذلك استوجب نقض القرار المطعون فيه

وما تجدر الإشارة إليه فيما يتعلق بحقّ الزيارة ، أنّ المشرع الجزائري لمّا أوجب على القاضي عند الحكم بالطلاق اسناد الحضانة إلى أحد الوالدين أو إلى غيرهما ، عليه أن يحكم بحقّ الزيارة من تلقاء نفسه و لو لم يطلب منه أحدهما ذلك

فالمشرع الجزائري في هذا الحكم قد أخرج القاضي من دائرة القاعدة القانونية التي مفادها أنّه لا يجوز للقاضي أن يحكم بما لم يطلُبه الخصوم ، و كان على القانون عندما ألزم القاضي أن يحكم بحق الزيارة أن يحدِّد معنى الزيارة ، و الحالات التي يمكن للقاضي أن يقضي فيها بسقوط حق الزيارة بناء على طلب الحاضن.

وقد جاء في فرار المحكمة العليا: المبدأ أن زيارة الوالد لإبنه المحضون عند غيره حق له وغير مرتبطة بسن معينة.

الخاتمة

من خلال دراستنا لموضوع الحضانة في القانون الجزائري في ظل التعديل الجديد لقانون الأسرة ، وجدنا أنّها من المواضيع المعقّدة،

وبالنظر إلى تفشي ظاهرة الطلاق و توسعها بشكل كبير وبإعتبار الحضانة في القانون الجزائري من الأثار الخطيرة له التي يجد القاضي نفسه أمامها في وضع حرج ، فهو ملزم من جهة في البحث عن مصلحة المحضون ،وأين يجدها حتى يسند الحضانة للأجدر و الأحق بها مع أنه ملزم بتطبيق النص

و من جهة أخرى يجد القاضي نفسه معدم من كل الوسائل التي تمكنه من البحث و التحقق من توفرها ، لأن كثرة القضايا و تكاثفها من شأنها أن تجعله لا يعطي للملفات المعروضة عليه العناية اللازمة و الدراسة الكافية ، لأنّه أصبح مقيد بالفصل في القضايا في أحسن الآجال .

وما يمكن ملاحظته على المواد المتعلقة بالحضانة الواردة في قانون الأسرة الجزائري المعدل والمتمم ، تبيّن لنا أنّ المشرع الجزائري قد ركّز في تعريف الحضانة على أهدافها من خلال المادة 62 من قانون الأسرة ،و يكون بذلك قد حدّد نطاق الحضانة و وظائفها الأساسية

و منه يتعيّن على المحكمة عندما تفصل في الحضانة أن تراعي كل الجوانب التي تضمّنها تعريف الحضانة في القانون الجزائري و هي : رعاية الولد ، تعليمه ، القيام بتربيته على دين أبيه، و السهر على حمايته و حفظه صحّة و خلقا .

وقد جعل المشرع الجزائري من أهداف الحضانة تربية المحضون على دين أبيه، لكن كيف يتمكن الأب من مراقبة تربية الطفل على دينه عندما تمنح الحضانة في القانون الجزائري لأم غير مسلمة ؟

نلاحظ أنّه من الصعوبة بما كان أن يستطيع متابعة ابنه في هذه الحالة ، و لبعده عنه و عدم التقائه يوميا به ،
والقول بأنّ الوالد يراقب الطفل عند ممارسته لحقه في الزيارة في غير محلّه كون أنّ المدة التي يبقى فيها معه عند ممارسته لهذا الحق لا تقارن بالمدة التي يعيشها الطفل مع حاضنته غير المسلمة .

ثم أنّ الزيارة حق ، فماذا يترتب لو لم يمارس صاحب الحق حقه ؟ و كيف تكون تربية الطفل ؟ و من يراقب ذلك؟

نرى أنّه على المشرع أن يتدخّل لحل هذه الإشكالية بمادة صريحة تفصل ما بين إسناد الحضانة لأم غير مسلمة ، و تربية الولد على دين أبيه .

كما أنّه يلاحظ على نفس المادة أنّها لم تحدد شروط الحضانة في القانون الجزائري برغم أهميتها و اكتفت بعبارة ” و أن يكون أهلا للقيام بذلك “ ، و ضبط هذه الشروط من شأنه أن يكون خطوة أساسية نحو تحديد معالم مصلحة المحضون .

أمّا بخصوص المادة 64 المعدلة بموجب الأمر 05-02 التي تتحدث عن ترتيب أصحاب الحق في الحضانة في القانون الجزائري جاء مقتضبا و مختصرا على عكس بعض التشريعات الإسلامية الأخرى، خاصة عندما نصّت : على الأقربون درجة ،

فالمشرع لم يحددهم وترك للقاضي مشقة البحث في هذه الفئة ، و لم يبيّن ما هو الحل إذا تعدّد مستحقوا الحضانة من درجة واحدة.

قد يطرح إشكال يتمثل في سكوت الزوجين عن إثارة مسألة الحضانة بمناسبة دعوى طلاق,حيث أن قانون الأسرة في نهاية المادة 64 نص بأن على القاضي عندما يحكم بإسناد الحضانة أن يحكم بحق الزيارة .

إذن يفهم من هذه الفقرة أن القاضي عندما ينظر في مسألة الحضانة يفصل في حق الزيارة بقوة القانون ، لكن القضية تتعقد نوعا ما إذا لم يثر أي من الطرفين المتخاصمين مسألة إسناد الحضانة ؟

وعندما نص المشرع على تمديد حضانة الذكر الذي أتمّ 10 سنوات إلى غاية 16 سنة ، و حصر طلب ذلك على الأم فقط ،

بحيث لا يمكن لأحد غيرها طلب التمديد ، و لا يمكن للقاضي أن يحكم بتمديد الحضانة إذا كان الحاضن عند شخص غير الأم ، حتى و لو كانت مصلحة المحضون تقتضي التمديد ، و هذا في رأينا قصور من المشرع يجب تداركه.

كما أنّ المشرع الجزائري لم يبيّن سبب حصر سقوط الحضانة في القانون الجزائري عن الجدة أو الخالة إذا سكنت مع أم المحضون المتزوجة بغير قريب محرم دون غيرها ، وكذلك بالنسبة للأب في حالة عدم قدرته على دفع نفقة الأولاد وقدم ما يثبت دلك

وبالتالي ادا أسندت الحضانة للأم كيف يفصل القاضي في مبالغ النفقة, وكذلك فيما يخص إجتهاد المحكمة العليا الذي يمنع تجزئة الحضانة

و عليه فإنّنا نرى أنّه من الضروري أن يتدخّل لمراجعة الأحكام المتعلقة بالحضانة و توضيحها بدقة و أكثر تفصيل ، و تدارك النقائص الموجودة و منحها الأهمية التي تستحقها باعتبارها تمس بمصلحة الطفل, وإعادة النظر في نصوص الحضانة بما يتلاءم مع الواقع العملي.

والمشرع الجزائري من خلال التعديل الجديد لقانون الأسرة لم يعالج بعض النقاط الحساسة التي كانت أمل القضاة و الباحثين في موضوع الحضانة والتي ذكرناها سابقا ، و اكتفى في تعديله إلى الإشارة بتغيير ترتيب الأب فيما يخص أصحاب الحق في الحضانة في القانون الجزائري

وهنا أحسن المشرع لتوعية الأم بالتنازل عن الحضانة للأب حتى يرى مدى خطورة الأمر وصعوبته فيعيد النظر في الطلاق تحت ضغط مشاكل ومصلحة الأولاد, وتطرق إلى عمل المرأة الذي اعتبره حقّا لها لا يمكن أن يكون سببا لسقوط الحضانة.

و ما جاء في المادة 57 مكرر بإعطاء صلاحيات لرئيس المحكمة للفصل على وجه السرعة في مسائل الحضانة ، المسكن ، الزيارة و النفقة ، و إسناد الولاية على الطفل إلى حاضنه مع إلزام ألأب بنص صريح بتوفير مسكن الحضانة أو دفع بدل الإيجار.

وهي تعديلات مهمة وجوهرية تدارك المشرع من خلالها بعض الفراغات القانونية مع إعادة النظر بحل الإشكالات المطروحة على مستوى المحاكم المذكورة سابقا بنصوص يراعي فيها مصلحة المحضون وتتماشى مع الواقع.

من فضلك لا تنسى مشاركة الموضوع لإفادة أصدقائك وتقديرا لجهودنا:

عن الأستاذ زروق عبد الحفيظ

الاستاذ زروق عبد الحفيظ مدير و مشرف موقع المكتبة القانونية الجزائرية من مواليد 1983 حاصل على شهادة ليسانس من جامعة قاصدي مرباح بورقلة متحصل على شهادة الكفاءة المهنية للمحاماة من نفس الجامعة و حاليا يمارس مهنة المحاماة أحب إفادة جميع طلاب القانون بدأت نشر المحتوى القانوني باللغة العربية منذ سنة 2013 ، حيث أسست المكتبة القانونية الجزائرية من أجل إفادة طالب القانون بجميع مايحتاجه خلال دراسته وبحوثه،اللهم إجعلنا سببا في إفادة ومساعدة الاخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *