ملخص المجتمع الدولي سنة اولى حقوق سداسي اول PDF | تحميل مباشر

فهرس الموضوع

المجتمع الدولي

تكمن أهمیة دراسة مادة المجتمع الدولي في كونها من بین المواد التي تمهد للدخول في أحد تخصّصات القانون الدولي

حیث یتّبع الطالب طیلة مشواره الدراسي مراحل تدریجیة للتفرغ لهذه التخصّصات، وذلك من خلال دراسته لمواد أخرى مكمّلة لهذه التخصصات، سواءً في اللیسانس أو في الماستر والدكتوراه.

تتمثّل المحاور الرئیسیة لدراسة هذه المادة في التعریف بالمجتمع الدولي وخصائصه، وكذا مراحل تطوره

وثمّ التعرف بأشخاص المجتمع الدولي، خاصة منها الفاعلة في العلاقات الدولیة، والتي تتمثّل أساسا في الدول، كأحد الأشخاص التقلیدیة لهذا المجتمع، وثمّ المنظمات الدولیة الحكومیة.

فیما یتعلق بتحدید معنى المجتمع الدولي وخصائصه، نبیّن فیه أهم الاختلافات الموجودة بین المجتمعات الوطنیة والمجتمع الدولي

ونركّز خاصة على تشكیل هذا المجتمع وطبیعة القواعد التي تحكمه وكیفیة وضع هذه القواعد، وكذا على خصائص

القضاء الدولي وكیفیة التقاضي أمامه بالنسبة لأشخاصه.

تعدّ الدول من بین أهم أشخاص المجتمع الدولي، یتعرف الطالب من خلال دراسته للدول على كیفیة نشأتها في القانون الدولي وأهم عناصرها، خاصة عنصر السیادة.

حیث نبیّن فیه أهم القواعد التي تنظّم هذه العناصر في القانون الدولي، خاصة المتعلقة منها بعنصري الإقلیم والسیادة

ونتحدّث عن الحقوق المقررة للدول و إالتزاماتها الدولیة الناتجة عن تمتعها بالسیادة.

تختلف الدراسات التي یقوم بها الباحث عن الدولة في القانون الدولي و المجتمع الدولي عن البحوث التي یتحصل عنها الطالب حول هذا الموضوع في الفروع الأخرى للقانون.

حیث یهتم الباحث في القانون الدولي عن موضوع الدولة بصفتها شخص من أشخاص المجتمع الدولي الفاعلة في العلاقات الدولیة.

وذلك من خلال تركیزه على المجالات الدولیة التابعة لها وغیر الخاضعة لسیادتها ، دون أن نمیّز بین الدول من حیث أشكالها.

كما یهتم الباحث بعنصر السیادة، من خلال التعریف باستقلال الدول وتمتّعها بالشخصیة القانون الدولیة دون أن نركّز على طبیعة النظام السیاسي في المجتمع الدولي .

بناءً على ذلك، یهتم القانون الدولي باستقلال الدول ولیس بحریة الشعوب في إدارة شؤونها السیاسیة

وهذا على الرغم من التطور الذي تعرفه العلاقات الدولیة حول هذه المسألة، لأنّ السلطة السیاسیة تخضع للدستور، ویدرسها الباحث في القانون الدستوري

كما یهتم القانون الدولي بالدولة كشخص موحّد ولا یولي أهمیة بكیفیة تنظیم إقلیم الدولة وتسییرها داخلیا من قبل

الهیئات الإداریة، لأنّ هذا الموضوع یدخل ضمن اهتمامات القانون الإداري.

أما فیما یتعلق بالمنظمات الدولیة، فإنّ الباحث فیها یركّز على أهم عناصر نشأتها في القانون الدولي، خاصة عنصر الإرادة الذاتیة والاستمرارية في الوجود، وعلى تصنیفات المنظمات الدولیة وشخصیتها القانونیة الدولیة المتمیّزة عن شخصیة الدول وكلها من أشخاص المجتمع الدولي .

نبحث من خلال دراستنا للمنظمات الدولیة عن منظمة الأمم المتحدة باعتبارها نموذجا للمنظمات الدولیة

وهذا على أساس كونها من أحد المنظمات التي تظمّ أكبر عدد من الدول في عضویتها والأكثر نشاطا في العلاقات الدولیة

وفیها نولي اهتماما كبیرا بوظائف مجلس الأمن والجمعیة العامة، وبمحكمة العدل الدولیة لكونها الجهاز القضائي المختص بالفصل في النزاعات الدولیة بین الدول على مستوى المنظمة

إضافة إلى الدول والمنظمات الدولیة الحكومیة، یدرس الطالب في هذه المادة وضع الفرد في القانون الدولي

وذلك لكون هذا الموضوع من أحد المواضیع الحدیثة في العلاقات الدولیة، وفیه یتعرف الطالب على مكانة الفرد في المجتمع الدولي و القانون الدولي والحقوق المقرّرة له فیه

والتي نسمّیها في الاتفاقيات الدولیة بحقوق الإنسان، وكذلك على الالتزامات الدولیة الواقعة على عاتقه في مجال مكافحة الجرائم الدولیة.

یهتم الباحث حول الجرائم الدولیة على القضاء الجنائي الدولي، وفیه نولي اهتماما كبیرا بالمحكمة الجنائیة الدولیة

وهذا على أساس كونها محكمة حدیثة النشأة تنظر في الجرائم الدولیة التي یرتكبها الأفراد ونبیّن فیها الجرائم التي تدخل في اختصاصها وكیفیة التحقیق فیها وتحریك هذا الاختصاص.

بعد دراسة مختلف المواضیع المبرمجة في مادة المجتمع الدولي یتابع الطالب ضمن تخصص القانون الدولي مواضیع أخري من بینها :

مصادر القانون الدولي العام ومادة حقوق الإنسان خلال السداسیین الثالث والرابع وكذلك المجالات الدولیة ومادة المسؤولیة الدولیة خلال السداسیین الخامس والسادس

یمكن للطالب المتحصل على شهادة اللیسانس في القانون العام التسجیل في طور الماستر في تخصص القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان والذي یعتبر فرع من فروع القانون العام.

ویتابع خلاله برامج معمّقة في القانون الدولي سواء ما یتعلق منها بحقوق الإنسان في أوقات السلم أو في أوقات الحرب

وللطالب المتفوق في الماستر أن یتابع التخصص خلال التسجیل في الدكتوراه.
یتابع الطالب خلال دراسته لمادة المجتمع الدولي مواضیع محدّدة في البرنامج وتنحصر في ثلاثة محاور وهي :

  • المحور الأول المجتمع الدولي ومراحل تطوره
  • المحور الثاني أشخاص المجتمع الدولي (الدول والمنظمات الدولیة)
  • المحور الثالث الوضع القانوني للأفراد على مستوى القانون الدولي

المجتمع الدولي ومراحل تطوره

یعدّ مصطلح المجتمع الدولي حدیث الاستعمال في العلاقات الدولیة، حیث غالبا ما یستخدمه رجال السیاسة للتعبیر عن وجود مجتمع متضامن دون تحدید مفهوم دقیق له (المبحث الأول)، ولكن على الرغم من ذلك فإنّه ینظمه قانون محدد وهو القانون الدولي العام (المبحث الثاني) وتطور هذا المجتمع بتطور القانون الدولي، وذلك عبر مراحل متعدّدة (المبحث الثالث).

مفهوم المجتمع الدولي

تعدّدت تعاریف الفقه لمصطلح المجتمع الدولي واتفق غالبیتهم على أنّه مجتمع یتكون من كیانات سیاسیة دولیة مستقلة (المطلب الأول) ویتمیّز بخصائص متمیّزة عن المجتمعات الوطنیة (المطلب الثاني).

تعریفه

المجتمع الدولي هو مجموع الكیانات السیاسیة الدولیة المستقلة التي تخضع في علاقاتها القائمة فیما بینها إلى القانون الدولي، حیث ینقسم إلى أشخاص تتمتع بالشخصیة القانونیة الدولیة.

وهي الدول والمنظمات الدولیة الحكومیة، وأشخاص أخرى لا تتمتع بهذه الصفة، وهي المنظمات الدولیة غیر

الحكومیة، والحركات الوطنیة التحرریة، واللجان الوطنیة، والمتحاربین المعترف بهم وغیرها من الكیانات السیاسیة الدولیة المستقلة.

تتمیز مختلف هذه الكیانات بالطابع السیاسي، وتختلف فیما بینها من ناحیة الشكل الذي یتخذه كل كیان أو من حیث العناصر التي یتكوّن منها، ویعتمد كل كیان على حدى على إستراتجیة خاصة به لكي یحاول أن یفرض وجوده ووزنه السیاسي في اتخاذ المواقف داخل المجتمع الدولي .

خصائصه

بناء على مختلف التعاریف الواردة بخصوص المجتمع الدولي ، نستنتج بأنّه یتمیّز بخصائص متمیّزة عن المجتمعات الوطنیة، وتتمثل هذه الخصائص فیما یلي :

أولا : تشكیل المجتمع الدولي من كیانات سیاسیة دولیة مستقلة لا تخضع لسلطة علیا

 یقصد بذلك بأنّه لا توجد في المجتمع الدولي سلطة تعلو سیادة الدول، حیث تعدّ كل أشخاصه مستقلة عن بعضها البعض

والقانون الدولي یقرّ بذلك ویحافظ على هذه الاستقلالية، ولا تعدّ المنظمات الدولیة سلطات ترأس الدول.

حیث لا یمكن أن نتصور بأنّ منظمة الأمم المتحدة هي التي ترأس العالم لأنّ هذه المنظمات ما هي إلا إطار للتعاون

الدولي بین الدول في مجال أو مجالات معینة یحدّدها المیثاق المنشأ للمنظمة.

ثانیا: غیاب قانون دولي ملزم یحكم العلاقات الدولیة بین أشخاص المجتمع الدولي ویقرر الجزاء في حالة مخالفتها

لا یقصد بذلك بأنّ القانون الدولي العام لیس قانوناً ، لأنّ قواعده، تتمیّز، على غرار القوانین الأخرى بكونها عامة ومجردة

وتهدف إلى كفالة النظام الاجتماعي دولیا، وهي محددة وموجهة إلى أشخاص هذا القانون بصفاتهم ولیس بذاتهم.

ویختلف عن القانون الداخلي في كونه قانون ینسّق بین علاقات الدول وهو نتاج توافق سیاسي دولي بین الدول

أما عن غیاب الجزاء في القانون الدولي فهو لیس عنصراً من عناصر نشأة القاعدة القانونیة لأنه لیس شرط لتكوین القاعدة القانونیة، بل هو شرط لتحقیق فعالیة تطبیقها

إذ یأتي في مرحلة لاحقة لتكوین القاعدة القانونیة، وإذا كنا نعترف بالوصف القانوني للقاعدة الدولیة

أي توافر عنصر الإلزام فیها فإنّ أساس القوة الإلزامیة للقانون الدولي العام هو إرادة الدول.

أي یقوم على رضاء الدول عامة بالخضوع لأحكام القانون الدولي العام ولا تخضع له تلقائیا وإجباریا وعلیه، لا یمكن تصور قانون معین دون أن تقترن قواعده بجزاء مخالفته.

حیث یمكن أن ترد هذه الجزاءات في شكل صریح أو ضمني، ونستنتج وجود الجزاء في هذه الحالة في روح القانون بذاته.

ولا یمكن للفقه أن ینكر وجود فكرة الجزاء في القانون الدولي أو المجتمع الدولي على أساس غیابها ضمن القواعد الصریحة في هذا القانون، لأن الجزاء موجود فعلیا في المجتمع الدولي، وتطور مع تطور القانون الدولي.

تعدّ المسئولیة الدولیة الجزاء القانوني الذي یرتبه القانون الدولي العام على عدم احترام أحد الأشخاص لالتزاماته الدولیة.

وهي لا تنشأ إلا بین الدول المتمتعة بالسیادة ویتخذ في القانون الدولي شكلا مختلفا نوعا ما عن الجزاء في القانون الوطني.

حیث غالبا ما یأخذ صورة الالتزام بالتعویض، في حالة ما إذا نتج عن ارتكاب العمل غیر المشروع وقوع ضرر

یلحق بدولة أخري أو صورة عقوبات قمعیة (عسكریة أو غیر عسكریة) مثل ما ینص علیه میثاق منظمة الأمم المتحدة.

ثالثا: غیاب سلطة تشریعیة تسن قواعد القانون الدولي

یتمیّز المجتمع الدولي بغیاب سلطة تعلو سیادة جمیع الدول وتضع القوانین التي تحكمه

لهذا السبب یرى البعض أنّ غیاب هذه السلطة حوله إلى مجتمع فوضوي

إلا أنّ هذا الرأي لا أساس له من الصحة، لأنّ أغلب قواعد القانون الدولي غیر مكتوبة

وتنشأ عن طریق العرف أو باتفاق من الدول أو عن طریق المنظمات الدولیة.

حیث یتم تدوینها عن طریق تحویل هذه القواعد العرفیة غیر المكتوبة إلى قواعد مدونة في شكل مواثیق واتفاقات دون المساس بمضمونها

ویعود سبب التدوین إلى عدم وضوح القواعد القانونیة الدولیة وتعددها مع التطور البطيء الذي صاحب تكوین هذا القواعد.

رابعا: غیاب قاضي دولي ملزم

لا یقصد بذلك أنه لا یوجد قضاء دولي في المجتمع الدولي ، بل هناك العدید من الهیئات القضائیة الدولیة، فكل واحدة منها لها اختصاصات خاصة بها، ومن بینها:

  • محكمة العدل الدولية
  • المحكمة الجنائية الدولية
  • محاكم حقوق الانسان (المحكمة الاوروبية ، المحكمة الافريقية ، المحكمة الدولية الامريكية).

یتمیّز القضاء الدولي، خلافا للقضاء الوطني، بكونه قضاءً اختياريا، ومعنى ذلك أنّ اختصاصه یخضع لقبول الدول

حیث لا یمكن له أن ینظر في قضیة معینة إلا إذا قبلت الدول أطراف النزاع باختصاصه.

تنطبق هذه القاعدة على جمیع الهیئات القضائیة الدولیة، فولایة محكمة العدل الدولیة مثلا هي ولایة اختیاریة

إذ أن قبول الدول لعرض النزاع علیها شرطاً أولیاً لتقریر ولایتها.

وتكون ولایتها جبریة في حالة ما إذا صرحت الدول الأطراف في النظام الأساسي بأنها تقبل بالولایة الجبریة

للمحكمة في نظر جمیع المنازعات القانونیة التي تقوم بینها وبین دول تقبل بالالتزام نفسه.

القانون المنظم للعلاقات الدولیة في المجتمع الدولي

اختلف الفقه الدولي حول تسمیة هذا القانون، حیث أطلق علیه البعض اسم قانون الأمم

وأطلق علیه البعض الآخر اسم قانون الشعوب، ولكن التسمیة التي یفضّ لها غالبیتهم هي “القانون الدولي”

لأنها تبرز أهمیة وخصائص هذا الفرع من فروع القانون (المطلب الأول)، وعلى غرار القوانین الوطنیة له مصادر مختلفة (المطلب الثاني).

تعریف القانون الدولي

اختلف الفقهاء حول تعریف القانون الدولي، ویعرفه غالبتهم بأنه :

“مجموعة القواعد القانونیة الاتفاقیة الصادرة نتیجة التراضي الصریح أو الضمني للدول، والتي تنظم المجتمع الدولي

وتكون ملزمة لجمیع الدول في تصرفاتها على المستوى الخارجي، كما تحدد حقوق كل دولة وواجباتها في مواجهة غیرها من الدول”.

یختلف القانون الدولي عن القانون الداخلي في كون هذا الأخیر ذو طابع إقليمي حیث یطبق داخل إقلیم الدولة التي وضعت في حین أنّ القانون الدولي یطبق على المستوى الخارجي.

حیث ینظم علاقات الأشخاص الدولیة، ویبین أشكال الدول وحقوقها وواجباتها، وكذا كیفیة حل النزاعات فیما بینها

ومن أهم فروعه نجد القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي للبحار، والقانون الدولي الجوي، والقانون الدولي الجنائي، وغیرها من الفروع الأخرى.

مصادر القانون الدولي

وردت مصادر القانون الدولي في المادة  38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولیة، وتتمثل فیما یلي:

أولا: المصادر الأصلیة: وهي تشمل ما یلي:

  • الاتفاقات الدولیة وتكون المعاهدات الشارعة هي الصالحة لكي تكون كمصدر للقانون الدولي
  • العرف الدولي الاتفاقات الدولیة وتكون المعاهدات الشارعة هي الصالحة لكي تكون كمصدر للقانون الدولي
  • مبادئ القانون العامة التي أقرتها الأمم المتمدنة

تعد المصادر الأصلیة أقوى من المصادر الاحتیاطیة، لأنه یرجع إلیها أولاً وحسب الترتیب السابق الذكر

فإن لم نجد القاعدة القانونیة الواجبة التطبیق یرجع القاضي الدولي إلى المصادر الاحتیاطیة.

ثانیا: المصادر الاحتياطية : وهي تشمل ما یلي:

  • أحكام المحاكم، أي الاجتهاد القضائي
  • مذاهب كبار المؤلفین في القانون الدولي

وفي كل الأحوال، یجوز لأطراف النزاع اللجوء إلى المحكمة والطلب منها تطبیق مبادئ العدل والإنصاف

حیث تنص الفقرة الثانیة من المادة  38من نظامها الأساسي على أنّه لا یترتب أي إخلال بما للمحكمة من سلطة

الفصل في القضیة وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف، متى وافق أطراف الدعوى على ذلك

ثالثا: المصادر غیر المذكورة في النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولیة:

هي مصادر أضافها الفقه، وهي تشمل ما یلي:

  • القرارات الصادرة عن المنظمات الدولیة  :

وهي تعدّ مصدر حدیث للقانون و المجتمع الدولي ، حیث تساهم منظمة الأمم المتحدة بشكل كبیر في خلق قواعد هذا القانون

وذلك عن طریق الكشف عن قواعد العرف الدولي القائمة فیه وخلق قواعد جدیدة.

ویخوّل المیثاق هذه الوظیفة لأجهزته الرئیسیة والفرعیة، ویلقي على عاتق الجمعیة العامة الدور الأساسي في تشجیع التقدم المطرد للقانون الدولي وتدوینه

ومن بین أهم هذه القواعد التي تمّ الكشف عنها بموجب توصیات الجمعیة العامة

نذكر التوصیة رقم 2625د- المتضمن المبادئ الأساسیة للقانون الدولي التي تمس العلاقات الودیة والتعاون بین أطراف المجتمع الدولي وهو ما أكّدت علیه محكمة العدل الدولیة.

  • الأعمال الانفرادية للدول :

تخضع هذه المصادر مبدئیا لمبدأ التدرج النسبي لقواعد القانون الدولي، حیث أدرجت المادة 38من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولیة وفقا لتسلسل نسبي قائم على قیمة كل مصدر

أي یلتزم القاضي الدولي عند نظره في النزاعات التي تحدث بین الدول بالفصل فیها وفقا لما تقضي به أحكام المصادر الأصلیة

واذا لم یجد حكم فیها یرجع إلى الأحكام الواردة في المصادر الاحتياطية.

إلا أنّ هذا التدرج النسبي ترد علیه استثناءات تقرر وجود قواعد قانونیة في القانون و المجتمع الدولي تسمو على كل القواعد الأخرى

ولا یقبل مخالفتها أو الاتفاق على مخالفتها، أي تأتي في قمة الهرم القانوني الدولي

وتتمثل هذه القواعد السامیة في الالتزامات المنبثقة عن میثاق الأمم المتحدة وفقا للمادة 103 منه والقواعد الآمرة في القانون الدولي.

مراحل تطور المجتمع الدولي

تطور المجتمع الدولي عبر مراحل متعدّدة، ویمكن تقسیمها إلى أربع مراحل تاریخیة وهي مرحلتي العصور القدیمة والوسطى (المطلب الأول)

ومرحلتي العصر الحدیث والعصر المعاصر (المطلب الثاني)

مرحلتي العصور القدیمة والوسطى

تتمیّز مراحل المجتمع الدولي بكونها عصور لم تظهر فیها الدولة بالمفهوم الحدیث، حیث كانت فیها الشعوب تتشكّل خلال العصور القدیمة في صورة حضارات ومدن (الفرع الأول)

وخلال العصور الوسطى على شكل إمبراطوریات تسیطر علیها الكنیسة (الفرع الثاني)

العلاقات الدولیة في العصور القدیمة

شهدت العصور القدیمة صوراً متعددة للعلاقات الدولیة، منها إبرام معاهدات الصلح والتحالف والصداقة وإ نهاء الحروب بین المجتمع الدولي

كما وضعت خلال الحضارات الإغریقیة، والرومانیة والهندیة عدّة قوانین لتنظیم العلاقات بین الشعوب.

نذكر من بین هذه القوانین، قانون “مانو” الهندي الذي نظم قواعد شن الحروب وإ برام المعاهدات والتمثیل الدبلوماسي

والقانون الروماني الذي كان یتضمن مجموعة من القواعد القانونیة التي تحكم العلاقات بین الرومان ورعایا الشعوب التابعة لروما وسمیت بقانون الشعوب

فقد كانت هذه القواعد تنظم العلاقات بین أفراد شعب روما وأفراد الشعوب الأخرى وتضمن الحمایة لهم

أما الشعوب التي لا تربطها بروما معاهدة صداقة أو معاهدة تحالف فإن مواطني هذه الدول وممتلكاتهم لا یتمتعون

بأي حمایة كانت العلاقات السائدة بین الشعوب خلال هذه المرحلة عدائیة

حیث سادت فیها حروب وكانت كل المعاهدات والقوانین المدونة بین الإمبراطوریات لا ترقى إلى صفة القانون الدولي الحدیث

حیث كانت معظم العلاقات خاضعة للقانون الإلهي بما لا یفید بوجود نظام قانوني دولي مستقر یحكم العلاقات بین الجماعات الإنسانیة بطریقة منتظمة

وهذا على الرغم من ظهور قواعد تنظم التمثیل الدبلوماسي بین المدن والإمبراطوریات والتحكیم في التجارة فیما بینها.

العلاقات الدولیة في العصور الوسطى

تتمیّز هذه المرحلة بظهور ممالك إقطاعیة عبر القارة الأوربیة، وشهدت صراعاً بین الدولة في مواجهة أمراء الإقطاع

وانتهى هذا الصراع إلى تغلب الدولة وزوال النظام الإقطاعي

كما تمیّزت بتسلط الكنیسة على الدولة، وذلك نتیجة لانتشار الدین المسیحي بین الدول الأوربیة

وتخلصت الدولة من سلطان البابا بعد ظهور الحریة الفكریة العلمیة في القرنین الخامس عشر والسادس عشر، ومن رواد حركة الإصلاح “فیتوریا” وجنتیلیس”

نتج عن تطور حركة الإصلاح حدوث انقسام المجتمع الدولي في أوربا إلى فریقین، الأول ینادي بالولاء للكنیسة والثاني ینادي بالاستقلال عن الكنیسة

وهو ما أدى إلى نشوب حرب الثلاثین عاما بین الدول الأوربیة الكاثولیكیة والبروتستنتیة

وانتهت هذه الحروب بإبرام معاهدات وستفالیا سنة  1648 وتعدّ هذه المعاهدة بمثابة شهادة میلاد المجتمع الدولي

حیث نتج عنها ظهور عدّة دول متمتعة بالسیادة ولا تخضع لسلطة أعلى منها، ودخل المجتمع الدولي في مرحلة جدیدة

وهي مرحلة العصر الحدیث وظهور الدولة الحدیثة، خاصة بعد سقوط الإمبراطوریة الجرمانیة.

ومن أهم نتائج تطور المجتمع الدولي في هذه المرحلة ظهور نظریة السیادة لـ “جون بودان”

حیث عرف السیادة بأنها السلطة العلیا والمطلقة للملك على المواطنین والرعایا والتي لا یقیدها إلا االله والقانون

والهدف من ذلك كان التحرر من النظام الإقطاعي وسیطرة الكنیسة، ولكن هذه النظریة تغیّرت نتیجة للأحداث التي

توالت في نطاق العلاقات الدولة وظهور الدولة القومیة في أوربا

حیث بدأ التفكیر یتجه نحو الدولة القویة ذات السلطة المطلقة، خاصة بعد صدور كتابات مفكري نظریة العقد

الإجتماعي على یدّ “هوبز”، و”لوك” و”جون جاك روسو” وقیام الثورة الفرنسیة.

كان لتطور نظریة السیادة ودخولها المجال القانوني بدایة نشوء القانون الدولي التقلیدي، فلم تعد للدولة سیادة مطلقة في میدان علاقات المجتمع الدولي

وبدأت تتوازن الأفكار التي كانت تنادي بأن الدولة لا تتقید إلا بإرادتها وأن استعمال القوة واللجوء إلى الحرب هو أحد الوسائل المشروعة لتأكید سیادة الدولة

واتجه الفقه إلى القول بأن هذه السیادة مقیدة بقواعد القانون الدولي العام وهي قواعد ملزمة تعلو على إرادة الدول ومن

جانبها، ساهمت الحضارة الإسلامیة بدور كبیر في إرساء بعض قواعد القانون الدولي

حیث كرّس الإسلام مبادئ عدیدة متعلقة بتنظیم الحرب، والمعروفة حالیا بقواعد القانون الدولي الإنساني

ومن بینها إحترام الكرامة الإنسانیة ومبدأ حریة الأدیان والمساواة، كما أقام قواعد أخرى لتنظیم العلاقات بین الدول الإسلامیة والدول الأخرى

وذلك من خلال تقسیمها إلى ثلاثة أقسام، وهي دار الإسلام، ودار العهد ودار الحرب

حیث تطبّق على كل حالة على حدى قواعد تحدّد حقوق وواجبات غیر المسلمین.

مرحلتي العصر الحدیث والعصر المعاصر

تتمیّز هذه المراحل بكونها عصور ظهرت فیها الدولة بالمفهوم الحدیث، وذلك خلال العصر الحدیث

حیث كان للثورة الفرنسیة أثر كبیر في نشأتها، خاصة في القارة الأوربیة (الفرع الأول)

وتطورت الدول بعد ذلك في مناطق أخرى، وأدى ذلك إلى تحوّ ل المجتمع الدولي إلى مجتمع عالمي منظم، خاصة في ظل العصر المعاصر (الفرع الثاني).

مرحلة العصر الحدیث

هي مرحلة ظهور القانون الدولي التقلیدي، ویرجع الفضل في إرساء أسس هذا القانون إلى معاهدة “وستفالیا”

 وتتلخّص أهم مبادئها فیما یلي:

  • حل المشاكل الدولیة بین الدول على أساس المصلحة المشتركة.
  • مبدأ المساواة بین الدول المسیحیة جمیعاً بغض النظر عن عقائدهم الدینیة وزوال السلطة البابویة.
  • تطبیق مبدأ التوازن الدولي للمحافظة على السلم والأمن الدولیین.
  • ظهور فكرة المؤتمر الأوربي الذي یتألف من مختلف الدول الأوربیة والذي ینعقد لبحث مشاكلها وتنظیم شئونها.
  • نشوء نظام التمثیل الدبلوماسي الدائم محل نظام السفارات المؤقتة مما أدى إلى قیام علاقات دائمة ومنظمة بین الدول الأوربیة.
  • الاتجاه نحو تدوین القواعد القانونیة الدولیة التي اتفقت الدول علیها في تنظیم علاقاتها المتبادلة، فقد قامت بتسجیلها في معاهدات الصلح التالیة مما أدى إلى تدعیم القانون الدولي وثبوتها بین الدول.

لقد ساهم فقهاء القانون الدولي التقلیدي خلال هذه المرحلة في تطویر هذه القواعد، وأبرزهم الفقیه “میكیافیلي”

و”فیتوریا”، وكذلك “سواریز” “غروسیوس”، والذي كانت له عدّة نظریات ومؤلفات في القانون الدولي، وأبرزها كتاب “قانون الشعوب”.

كما عرفت هذه المرحلة إنعقاد مؤتمرات دولیة، أهمها مؤتمر فیینا لسنة ،1815والذي نتج عنه عدة نتائج لعل أهمها

إقرار بعض القواعد الدولیة الجدیدة والخاصة بحریة الملاحة في الأنهار الدولیة وقواعد ترتیب المبعوثین الدبلوماسیین وتحریم الاتجار بالرقیق.

مباشرة بعد إنعقاد مؤتمر فیینا، نشأ التحالف المقدس بین الدول الكبرى المشتركة، حیث كان الغرض منه هو تطبیق

مبادئ الدین المسیحي في إدارة شئون الدول الداخلیة والخارجیة للدول الأوربیة بغرض الحفاظ على ممالك هذه الدول الكبرى وقمع كل ثورة ضدها

وأكدت على ذلك معاهدة “إكس لاشبیل” المبرمة سنة 1818بین انجلترا وبروسیا والنمسا وثم فرنسا

حیث إتفقت فیها هذه الدول على التدخل المسلح لقمع أیة حركة ثوریة تهدد النظم الملكیة في أوربا.

تمیّزت هذه المرحلة أیضا بصدور تصریح مونرو سنة 1823عن الرئیس الأمریكي عام، حیث جاء فیه أن الولایات

المتحدة الأمریكیة لا تسمح لأیة دولة أوربیة بالتدخل في شئون القارة الأمریكیة أو إحتلال أي جزء منها

وذلك رداً على تدخل الدول الأوربیة لمساعدة إسبانیا لإسترداد مستعمراتها في القارة الأمریكیة

ولقد كان لهذا التصریح شأنه في إرساء مبدأ التدخل في شئون الدول الداخلیة وكان له أثره أیضاً في توجیه العلاقات الدولیة بین القارتین الأمریكیة والأوربیة.

إنتهت هذه المرحلة بإنعقاد مؤتمري السلام بلاهاي عام 1899و ،1907ووضعت خلالها الدول عدّة قواعد لفض النزاعات الدولیة بالطرق السلمیة

كما أقرّت بقواعد خاصة بقانون الحرب البریة والبحریة وقواعد الحیاد، وإن كان المؤتمر الأول أوربي

فإن المؤتمر الثاني غلب علیه الطابع العالمي لوجود غالبیة من دول القارة الأمریكیة.

ساهمت هذه المؤتمرات في وضع أول قواعد قانونیة دولیة تنظم العلاقات بین الدول في المجتمع الدولي

حیث قامت الدول المشاركة فیها بتطویر العلاقات الدولیة والقانون الدولي بما یتفق مع مصالح الجماعة الدولیة

وبإستحداث نظم ثابتة، وكما توصلت إلى إنشاء هیئات یمكن للدول اللجوء إلیها عند الحاجة لتسویة النزاعات الدولیة التي قد تقع فیما بینها، ومن بینها محكمة التحكیم الدولي الدائمة في لاهاي.

یمكن القول بأن هذه المرحلة عرفت میلاد تنظیم دولي حقیقي بالقارة الأوربیة

ولهذا أطلق المجتمع الدولي عادة على القانون الدولي التقلیدي تسمیة القانون العام الأوربي، لأنه نشأ في أحضان الدول الأوربیة الكبرى

وهو ما دفع بالدول الحدیثة الإستقلال إلى رفض القواعد الموضوعة في ظلّه.

مرحلة العصر المعاصر

تمیزت هذه المرحلة بإعادة النظر في قواعد القانون الدولي وتطویرها بشكل یتناسب مع التطورات التي عرفها المجتمع الدولي في هذه المرحلة

حیث عرفت إنحلال السیطرة الأوربیة على المجتمع الدولي وظهور مجتمع دولي عالمي، خاصة بعد حصول العدید من الدول المستعمرة على إستقلالها

وظهور تنظیمات دولیة حدیثة لعبت دورا كبیرا في إرساء وتطویر مبادئ وقواعد القانون الدولي.

لم یحقق مؤتمر لاهاي سلم عالمي بین الدول بسبب تسابق الدول الكبرى لاستعمار الدول الغنیة بالثروات والمواد الأولیة

وذلك على إثر التقدم الصناعي لأوربا، مما أدى إلى قیام الحرب العالمیة الأولى عام ،1914وبعد انتهاء هذه الحرب

اجتمعت الدول في مؤتمر باریس عام ،1919وأبرمت خمس معاهدات صلح فرضت على الدول المنهزمة خلالها، وهي ألمانیا والنمسا وبلغاریا والمجر وتركیا.

نتج عن هذه المعاهدات إعادة النظر في قواعد القانون الدولي وتطویرها، حیث تمیزت هذه المرحلة بإعادة النظر في قواعد القانون الدولي الكلاسیكي

ووضعت قواعد جدیدة لقانون البحار، كما نشأت قواعد دولیة جدیدة خاصة بالتنمیة وإ ستغلال الثروات الطبیعیة والتأكید على سیادة الدول علیها.

إضافة إلى ذلك، تمت خلال هذه المرحلة إعادة صیاغة مفهوم السیادة من مفهوم الاستقلال السیاسي إلى الاستقلال الاقتصادي، والاجتماعي والثقافي

ومن السیادة المطلقة إلى السیادة النسبیة وظهرت خلالها قواعد جدیدة تقیّد سیادة الدول كالتدخل الإنساني في حالة

إنتهاك حقوق الانسان أو إتخاذ تدابیر عسكریة ضد الدول في حالة تهدیدها أو إخلالها للسلم والأمن الدولیین أو بحجة مكافحة الإرهاب ونزع أسلحة الدمار الشامل.

عرفت هذه المرحلة أیضا وضع قواعد جدیدة خاصة بالحفاظ على البیئة، و محاربة الجرائم الدولیة

وأخرى خاصة بتنظیم النقد الدولي والاقتصاد العالمي، وتم تعویض نظامین الحمایة والإنتداب –الشبه الاستعماریین- بنظام الوصایا تحت رقابة منظمة الأمم المتحدة.

تتمثل أبرز التطورات التي عرفتها هذه المرحلة في ظهور أول تنظیمات الدولیة في المجتمع الدولي

مثل إتحاد البرید العالمي سنة ،1865والكتب الدولي لحمایة الملكیة الصناعیة سنة 1883

والمنظمة العالمیة للصحة سنة ،1946والبنك العالمي سنة 1944وصندوق النقد الدولي سنة 1944

ولقد أصبحت هذه المنظمات أشخاص للمجتمع الدولي، وساهمت بشكل كبیر في إنماء العلاقات الدولیة وإرساء قواعد ومبادئ القانون الدولي

كما تم الاعتراف لها بالشخصیة القانونیة الدولیة، وتتمثل أبرز هذه المنظمات فیا یلي:

أولا: عصبة الأمم

أنشئت هذه المنظمة بموجب معاهدة فرساي لسنة ،1919 وهي أول منظمة دولیة عالمیة أعطیت حق النظر في المنازعات الدولیة التي تهدد السلم

كما أنشئت هیئة قضائیة للفصل في المنازعات ذات الطابع القانوني وهي محكمة العدل الدولیة الدائمة

وقد بلغ عدد الأعضاء الأصلیین للعصبة 42دولة، ثم انضمت إلیها دول أخرى حتى بلغ عدها إلى 58 دولة.

خُوِّلَت للعصبة اختصاصات واسعة في المجال السیاسي والتعاون الدولي، إذ كانت تختص بفض المنازعات الدولیة بالطرق السلمیة

وتشرف على برامج خفض التسلح، وتتخذ كل الإجراءات اللازمة لرد أي عدوان على دولة عضو

كما خوّلت آلیات توثیق العلاقات الاقتصادیة والاجتماعیة والفكریة، بین الدول والإشراف على إدارة بعض الأقالیم والنهوض بها

ومع ذلك بدت السلطات الفعلیة للعصبة ضعیفة ویرجع ذلك إلى عدة أسباب، أهمها:

  • عدم امتلاك عصبة الأممطبقاً لعهدها لسلطات حقیقیة تتناسب مع حجم المهام المنوطة بها.
  • صعوبة إجماع كل الدول الأعضاء لاتخاذ توصیات بشأن مسائل تهمها، الأمر الذي أخضعها لأهواء الدول الكبرى ورغباتها الذاتیة، ومما أدى إلى ضعف تأثیرها.
  • عدم نص عهد العصبة صراحة على حظر الحرب حظراً مطلقا.
  • عدم كفایة الإجراءات الجماعیة التي كانت تتخذها العصبة ضد الدولة المعتدیة في حالة الحرب.
  • عدم نجاح عصبة الأمم في تحقیق صفة العالمیة بسبب عدم انضمام دول كثیرة خارج القارة الأوروبية إذ رفضت الولایات المتحدة الأمریكیة الاشتراك فیها، ولم ینضم الاتحاد السوفیتي إلیها إلا عام ،1934 في حین انسحبت ألمانیا والیابان عنها عام ،1933وثمّ تلتهما إیطالیا عام 1937
  • تهاون العصبة عن الرقابة على تنفیذ برامج تحدید التسلح، بما أدى إلى زیادة تسلح بعض الدول مما أدى إلى اندلاع الحرب العالمیة الثانیة.

ثانیا: منظمة الأمم المتحدة

أنشئت منظمة الأمم المتحدة بموجب مؤتمر سان فرانسیسكو المنعقد في 25و 26جوان سنة 1945

وذلك بعد جوالات عدیدة من المؤتمرات، والمعاهدات والتصریحات المشتركة لدول الحلفاء خلال الحرب العالمیة الثانیة وبعدها

وبدأت عملها واقعیا في 24أكتوبر سنة ،1945حینما أودعت كل من فرنسا، والصین، والاتحاد السوفیتي، وبریطانیا

والولایات المتحدة الأمریكیة، وغالبیة الدول الموقعة على المیثاق وثائق التصدیق على المیثاق،

وتسعى المنظمة إلى تحقیق مجموعة من الأهداف وتقوم على مبادئ أساسیة لتنظیم العلاقات الدولیة

وهي المبادئ التي عرفت تحولا جذریا في ظل النظام الدولي الجدید خاصة بعد إنهیار المعسكر الشرقي وأحداث 11سبتمبر 2001 تهدف هیئة الأمم المتحدة إلى تحقیق مجموعة من الأهداف

ومن بینها في فض النزاعات التي قد تشكل خطراً على السلم والأمن الدولییْن، ومنع استخدام القوة

وتحقیق السلام العادل بین دول العالم وحفظ السلم والأمن الدولیین وتنمیة العلاقات الودیة بین الدول

وتحقیق التعاون الدولي في الشؤون الاقتصادیة والاجتماعي

تتمثّل مبادئها في مبدأ المساواة في السیادة، ومبدأ حل النزاعات الدولیة بالطرق السلمیة، ومبدأ حسن النیة في أداء الالتزامات الدولي

ومبدأ منع استخدام القوة أو التهدید بها في العلاقات الدولیة، ومبدأ عدم تدخل الأمم المتحدة في الشؤون الداخلیة للدول الأعضاء وهي مبادئ تلتزم الدول غیر الأعضاء فیها بالعمل وفقاً لها

أشخاص المجتمع الدولي

یمیّز القانون الدولي بین نوعین من أشخاص المجتمع الدولي، فهناك أشخاص تتمتع بالشخصیة القانونیة الدولیة

وهي الدول (المبحث الأول) والمنظمات الدولیة الحكومیة (المبحث الثاني).

وأشخاص أخرى لا تتمتع بهده الصفة، وهي المنظمات الدولیة غیر الحكومیة، والحركات الوطنیة التحرریة والمتحاربین المعترف بهم والشركات المتعددة الجنسیات.

وهناك من یضیف فئة الأفراد كأشخاص وحیدة للمجتمع الدولي.

یعد معیار التمتع بالشخصیة القانونیة الدولیة المعیار الأساسي للتمییز بین الأشخاص التي تتمتع بهذه الصفة والتي لا تتمتع بها

ویترتب عن تمتع الشخص بهذه الصفة آثار قانونیة هامة بالنسبة لكل الكیانات السیاسیة الدولیة المستقلة.

یقصد بالشخصیة القانونیة الدولیة أهلیة الشخص وقدرته على اكتساب الحقوق و تحمل الالتزامات الدولیة التي یقررها القانون الدولي مباشرة لهذا الشخص

أي دون وساطة من شخص أخر، ویعترف القانون الدولي بهذه الصفة لكل من الدول والمنظمات الدولیة الحكومیة دون غیرها.

بناءً على ذلك، تتحدّد الشخصیة القانونیة الدولیة بإجتماع وصفین في الكیان أو تظهر على الشخص بمظهرین

وهي شروط أساسیة للإعتراف له بالشخصیة القانونیة الدولیة، وتتمثل فیما یلي:

  • القدرة على إنشاء قواعد قانونیة دولیة مع غبرها من الكیانات الدولیة المماثلة، حیث یؤول هذا الوصف إلى الدول والمنظمات الدولیة عن طریق إبرام المعاهدات الدولیة والمساهمة في نشأة قواعد العرف الدولي.
  • أن تكون الوحدة من المخاطبین بأحكام القانون الدولي بما یرتبه لها هذا القانون من أهلیة ممارسة بعض الحقوق والالتزام بالواجبات، كحق إبرام المعاهدات الدولیة وحق الدفاع الشرعي.

ومن بین الآثار المترتبة عن التمتّع بالشخصیة القانونیة الدولیة، نذكر ما یلي:

  • حق إبرام معاهدات دولیة
  • الأهلیة في اللجوء إلى القضاء الدولي
  • تمتع موظفي المنظمات أو ممثلي الدول بحصانات دبلوماسیة وإ متیازات دولیة وحمایة لممتلكاتها
  • حق إنشاء علاقات دبلوماسیة مع الدول والمنظمات الأخرى
  • حق التعاقد مع غیرها من الدول والمنظمات وتملك العقارات أو المنقولات

الـــدول

تعدّ الدول الأشخاص التقلیدیة الوحیدة للمجتمع الدولي، حیث یرجع أصل تكوین المجتمع الدولي إلى نشأة الدولة بالمفهوم الحدیث

وهي التي ساهمت بوضع القانون الذي یحكم هذا المجتمع (المطلب الأول)، وتتمیّز عن غیرها من الكیانات السیاسیة بعنصر السیادة

بالإضافة إلى العناصر الأخرى، والتي تتمثل في: الإقلیم، السكان والسلطة العامة، والتمتّع بالسیادة والشخصیة القانونیة الكاملة(المطلب الثاني).

تعریفها وخصائصها

وردت عدة تعاریف بالنسبة للدولة، فهناك من یعرفها على أساس أنها مجتمع سیاسي منظم في إطار إقلیم محدد تقطنه مجموعات سكانیة ویتمتع بالسیادة والاستقلال

ویهدف إلى تحقیق أهداف مشتركة بین أفراده، سواء تعلق الأمر بأهداف اقتصادیة، اجتماعیة أو ثقافیة.

یقضي تعریف آخر بأنها تجمع سكاني یعیش على سبیل الاستقرار فوق إقلیم معین ومحدد ویخضع لسلطة حاكمة لها سیادة على الإقلیم والأفراد والأشیاء ولا تخضع لأي سلطة أخرى تعلوه.

وعلى كل فالدولة هي كیان سیاسي دولي مستقل یتكون من عناصر هي:

الإقلیم، السكان، السلطة العامة، السیادة والاستقلال و یتمتع بشخصیة قانونیة دولیة.

وعلیه لكي یعترف بوجود دولة بالمعنى المعروف في القانون الدولي یجب أن تتوفر فیها شروط محدّدة

وهي أن یكون لها إقلیم محدد المعالم، وفیها شعب دائم وسلطة عامة، وأن تتمتّع بالسیادة والإستقلال عن الدول الأخرى.

بناءً على ذلك، تتمیز الدولة بخصائص متمیزة عن الأشخاص الأخرى للمجتمع الدولي، وتتمثل في كونها هي كیان سیاسي دولي مستقل

أي هي شخص معنوي أو مؤسسة سیاسیة لها وجود قانوني یقره القانون الدولي، ولها نظام خاص بها

أي لها هیئات مختصة بوضع وتطبیق هذا النظام القانوني، وقوة عمومیة تمكنها بالضرورة من تطبیق هذا النظام والحفاظ علیه ومن تأمین مصالحها وإ قلیمها من أي اعتداء.

إضافة إلى ذلك، عددها محدود، حیث یوجد حالیا حوالي 193 دولة عضو في منظمة الأمم المتحدة من أصل 210 وهي متعددة

وهذا بالنظر إلى عدد سكانها، وهیئاتها، و مساحة إقلیمها، وقوتها الاقتصادیة والعسكریة ونفوذها السیاسي في العلاقات الدولیة.

وكذلك متمیزة بمظهر السیادة، حیث تتمتع بالاستقلال الكامل و المانع في ممارسة اختصاصاتها على إقلیمها و رعایاها وتختلف تماما عن الأشخاص الأخرى للمجتمع الدولي.

من جهة أخرى تتّخذ الدولة في المجتمع الدولي عدّة أشكال، فمنها دول بسیطة وأخرى مركبة

ومن حیث السیادة فهي تنقسم إلى دول كاملة السیادة وأخرى ناقصة من هذه الصفة بسب خضوعها للأنظمة شبه

إستعماریة، كالإنتداب والحمایة من قبل دول أجنبیة أو لنظام الوصایا تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة .

ولا یؤثّر الشكل السیاسي للدولة على وجودها وفقا للقانون الدولي، سواءً كانت بسیطة أو مركبة

فی حین لا یعترف القانون الدولي بوجود الدول المشكلة لدولة إتحادیة لكونها تتبع سلطة علیا

كما لا یعترف بالدول الخاضعة للأنظمة الشبه العسكریة لكونها غیر مستقلة في نظره.

عناصر نشأتها

یشترط القانون الدولي في نشأة الدولة توافر مجموعة من العناصر، بعضها مادیة وهي: الإقلیم (الفرع الأول)، السكان (الفرع الثاني) والسلطة العامة (الفرع الثالث).

وأخرى معنویة وهي: السیادة والاستقلال والشخصیة القانونیة الدولیة كمیزة تترتب عن نشأتها(الفرع الرابع).

وأضاف الفقه الدولي عنصر الاعتراف، حیث یرون بأنه لا یمكن للدولة أن تضمن وجود فعلي لها في المجتمع الدولي والعلاقات الدولیة إذا لم یتم الاعتراف بها (الفرع الخامس).

عنصر الإقلیم

یعدّ الإقلیم عنصر أساسي في نشأة الدول، حیث لا یمكن تصور دولة بدون إقلیم (أولا)

ویتكون من عدة أجزاء، وهي الإقلیم البري، والإقلیم البحري والإقلیم الجوي (ثانیا)

أولا: تعریف الإقلیم

یعدّ الإقلیم جزء من الكرة الأرضیة تحده حدود معینة وتمارس الدولة علیه سیادتها ویسوده سلطانها وتشریعاتها

ویضم قطاعا یابسا من الأرض وما یعلوه من الفضاء وما یحیط به من الماء.

ویعتبر الیابس من أهم هذه الأجزاء، حیث یستحیل تصور إقلیم دولة مكونا من عنصر الفضاء وحده أو عنصر الماء دون القطاع الیابس من الأرض

وقد یتكون إقلیم الیابسة دون أن تحیط به الماء، وهذا حال بعض الدول المجاورة.

بناءً على ذلك، یعدّ الإقلیم، حسب نظریة الاختصاص الإقلیمي، المجال الذي تمارس علیه الدولة سیادتها

أي أن للدولة السلطة الكاملة على إقلیمها بما فیه من أشخاص وأشیاء.

حیث تمارس علیه وظائفها التشریعیة، والقضائیة والتنفیذیة وتختار نظامها السیاسي والاقتصادي والاجتماعي

والثقافي الذي تدیر به شؤون إقلیمها دون أن تشاركها في ذلك دول أخرى

یعدّ موقف هذا الاتجاه هو المتطابق مع نظرة قواعد القانون الدولي المعاصر، وكذلك قد یمدد مجال اختصاص الدولة

إلى خارج حدود إقلیمها الوطني كالأقالیم ما وراء البحار والسفارات والقواعد العسكریة الإستراتیجیة المقامة في الدول الأجنبیة.

لقد حدد القانون الدولي المعاصر طرق عدیدة لاكتساب الإقلیم، ومستبعدا بذلك الحروب وإ ستعمال القوة لإحتلال الأقالیم

ولیكرس مبدأ المساواة بین الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلیة وكذا احترام سیادتها، وتتمثل هذه الطرق فیما یلي:

-الضم : هي طریقة تقلیدیة غیر مشروعة في القانون الدولي المعاصر، كانت تستخدمها الدول الأوربیة للاستیلاء على أجزاء كبیرة من الأراضي

والموجودة بین البرتغال وإ سبانیا في غرب أوربا بمقتضى مرسوم صادر عن البابا الكسندر السادس سنة ،1493 وهذا على أساس أنها أقالیم لا مالك لها.

ب-إضافة الملحقات:  سواء كانت هذه الزیادات طبیعیة نتیجة ظهور جزر في البحر الإقلیمي أو إصطناعیة بفعل الإنسان أو نتیجة إقامة الدولة لجسور و إنشاء سدود

وتستند إضافة الملحقات في القانون الدولي إلى فكرة استمرار و امتداد إقلیم الدولة أو إلى مبدأ التجاور.

ج-التنازل: یتم التنازل بناءا على اتفاق مبرم بین دولتین یقضي ببیع آو منح جزء من الإقلیم للطرف الأخر

ویشترط القانون الدولي لصحة التنازل ، أن یتم بعد موافقة البرلمان مثل ما ینص علیه بعض الدساتیر أو موافقة السكان الدین یقطنون هدا الإقلیم.

د-التقادم: یحدث عادة عندما تضع دولة ما یدها على إقلیم معین وبصورة مباشرة وعلنیة، وتكون مستمرة وهادئة لمدة طویلة دون اعتراض الدولة صاحبة الإقلیم

وهي طریقة معروفة في إطار القانون الدولي الكلاسیكي وغیر متعامل بها في القانون الدولي المعاصر

و إذا ما حدث فیصبح من قبیل المنحة أو الهبة و یدخل ضمن طریقة التنازل.

هـ- الاستقلال: هي الطریقة الحدیثة لنشأة الدول، ویقع عن طریق الكفاح المسلح أو بتنظیم إستفتاء على الإقلیم المعني

كإستقلال معظم الدول الإفریقیة عن الدول الأوربیة بعد سنوات الستینات.

و-الإندماج والإنقسام: وهي الأخرى طریقة حدیثة لنشأة الدول، ویحدث عن طریق إتفاق بین الأطراف أو بتنظیم إستفتاء على الإقلیم المعني

كإنقسام دول الإتحاد السوفیاتي سابقا وإ ندماج الألمانیتین الشرقیة والغربیة بعد إنهیار المعسكر الشرقي

ویخضع هذا التغییر لقواعد الإستخلاف الواردة في القانون الدولي كإتفاقیتي فیینا لسنة 1978و1983 .

ثانیا: مكونات الاقلیم

تتمثل مكونات الإقلیم في الإقلیم البري، ویخضع تنظیمه للقانون الوطني، والإقلیم البحري والإقلیم الجوي

وهي أجزاء یحدّدها القانون الدولي وینظمها وفقا لقواعد محدّدة.

أ- العنصر البري:

یقصد به الیابس وما یحط به من أجزاء مائیة لصیقة به، مثل الخلجان والممرات المائیة إذا وقعت في إقلیم دولة واحدة.

وهي عبارة عن مساحة من الأرض یطلق علیها اسم إقلیم، لها حدود معینة تمارس علیه الدولة سلطاتها الخالصة والمانعة

وتفرض سیادتها على كل ما یوجد فیه من أشخاص وثروات، ویتمّ تحدیده بعدة طرق منها بوسائل إصطناعیة وأخرى طبیعیة.

ب- العنصر البحري:

یخضع الإقلیم البحري إلى نظام قانوني دولي جرى تقنینه في إتفاقیة جنیف لسنة 1958والمتعلقة بقانون البحار

وجاءت بعد ذلك إتفاقیة مونتي قوباي لسنة ،1982والتي دخلت حیز التنفیذ سنة ،1994

وهي تعتمد على طریقة خطوط الأساس العادیة أو المستقیمة لقیاس المناطق البحریة.

أسّس قانون البحار محكمة دولیة للبحار، یقتصر إختصاصها على تفسیر أحكام إتفاقیة قانون البحار

والحفاظ على المجالات البحریة والنظر في النزاعات المتعلقة بالأنشطة في المناطق البحریة.

ویتكون العنصر البحري أساسا من العناصر التالیة:

-1المیاه الداخلیة:

هي المنطقة الواقعة بین الیابس وخط الأساس الذي یقاس بدایة منه عرض البحر الاقلیمي وتتضمن هذه المنطقة الموانئ والأرصفة والمراسي.

أما المعنى الجغرافي للمیاه الداخلیة، فیقصد بها المیاه التي تحیط بها الأرض من كل جوانبها من بحر مغلق أو شبه مغلق.

كما تشمل البحیرات والقنوات، والموانئ والمنشآت المرفئیة وكذلك الخلجان ولا تكوّن هذه الأخیرة میاهً داخلیة

إلا إذا توفرت فیها الشروط المحددة في إتفاقیة مونتي قوباي

-2البحر الإقلیمي:

هي المنطقة البحریة المواجهة للإقلیم البري والمیاه الداخلیة للدولة، وتنحصر بذلك بین المیاه الداخلیة

ومنطقة أعالي البحار، حیث تعتبر منطقة خاضعة لسیادة الدولة وجزء من إقلیمها.

وحددت قواعد القانون الدولي الكلاسیكي مساحة عرضه بثلاثة أمیال بحریة إلا أن التقدم التكنولوجي والعلمي

والعسكري للدول في نهایة القرن 19قد جعل الدول في حاجة ماسة إلى تمدید هذه المساحة إلى 12میلا بحریا وفقا لإتفاقیة مونتي قوباي.

حیث تنص المادة  3منها على أنه لكل دولة الحق في أن تحدد عرض بحرها الإقلیمي بمسافة لا تتجاوز 12میلا بحریا تقاس من خطوط الأساس المقررة وفقا لهذه الإتفاقیة.

بناءً على ذلك، یقاس البحر الاقلیمي إبتداء من خط الأساس ویصل إلى الحد الخارجي له في إتجاه أعالي البحار

وخط الأساس هو ذلك الخط الوهمي الموازي للساحل والذي یبدأ منه قیاس عرض البحر الإقلیمي، وقد تكون خطوط الأساس عادیة أو مستقیمة.

ینطبق الأمر نفسه على الجزر، فإن الإتفاقیة المذكورة سوّت الأمر مثلما هو معمول به في الأقالیم العادیة

حیث یحدد عرض البحر الإقلیمي ومنطقته المجاورة والمنطقة الإقتصادیة وجرفها القاري وفقا للأحكام المطبقة على الأقالیم البریة العادیة.

واستثنت من ذلك الجزر الغیر القابلة للسكن والتي تعتبر صخور كبیرة لا توفّر مجال لإقامة السكان فیها وإستمرار حیاة اقتصادیة خالصة.

یخضع البحر الإقلیمي لنظام قانوني خاص، یتمثل فیما یلي:

  • تمتد سیادة الدولة الساحلیة فیما وراء إقلیمها البري و میاهها الداخلیة إلى المساحة البحریة التي تكون عرض البحر الإقلیمي ، و یشمل ذلك أیضا المجال الجوي الذي یعلو البحر الإقلیمي ، أي یخضع البحر الإقلیمي بما في ذلك مجاله الجوي و باطنه و ما تحت باطنه لسیادة الدولة.
  • خضوعه لحق المرور البريء، وهو قید یرد على سیادة الدولة على بحرها الإقلیمي، ویقصد به حق السفن التابعة للدول الأخرى في العبور بالبحر الإقلیمي مادام هذا العبور یتسم بالبراءة ولا یلحق أضرارا بمصالح هذه الأخیرة.

یتم المرور بإجتیاز البحر الإقلیمي دون الدخول في المیاه الداخلیة أو التوقف في مرسى أو مرفق مینائي یقع خارج المیاه الداخلیة

كما یمكن أن تدخل السفن المیاه الداخلیة إذا كانت متجهة إلى تلك الدولة عبر البحر الإقلیمي.

وذلك بقدر مقتضیات الملاحة العادیة أو تقدیم المساعدة إلى أشخاص أو سفن أو طائرات في حالة خطر

وعلى السفن الأجنبیة أن تظهر على سطح البحر رافعة علمها وإذا كانت تحمل مواد خطیرة فتلتزم بمراعاة التدابیر الوقائیة المقررة في المادة 23من إتفاقیة مونتي قوباي.

تتمثل حقوق الدولة الساحلیة فیما یتعلق بحق المرور البريء في تنظیم المرور البريء لحمایة منشآتها والأنابیب والأسلاك وحفظ الموارد الحیة

وتعیین ممرات بحریة لممارسة حق المرور البريء، ومنع أي إخلال بشروط المرور البريء أي الإلتزام بعدم منع مرور السفن الأجنبیة.

وكذلك حق وقف المرور البريء مؤقتا دون تمییز وعلى جزء من البحر الإقلیمي

ویجب أن یكون الوقوف ضروریا لحمایة أمن الدولة وكما یجب الإعلان عنه صراحة و بطریقة كافیة.

أما واجبات الدول الساحلیة عند المرور، فهي تتمثل في عدم تحصیل أي رسوم على المرور البريء

إلا إذا كانت مقابل تقدیم خدمات، وعدم إعاقة حق المرور البريء، وعدم التمییز، وكذا الإعلان عن أماكن الخطر.

-3المنطقة المجاورة أو المتاخمة:

هي المنطقة التي تلي البحر الإقلیمي للدولة الساحلیة، تمارس الدولة علیها بعض الحقوق السیادیة اللازمة للمحافظة على كیانها

وقضت إتفاقیة مونتي قوباي بأنّ المنطقة جزء من البحر العالي

وهذا وفقا للمادة 23منها وفیها تمارس الدولة الرقابة اللازمة من أجل منع خرق قوانینها ولوائحها الجمركیة أو

الضریبیة أو الصحیة أو المتعلقة بالهجرة فوق إقلیمها أو داخل بحرها الإقلیمي و المعاقبة على المخالفات للقوانین المذكورة.

و من المتفق علیه في القانون الدولي وفي القضاء والفقه الدولیین أنّ المنطقة المجاورة لا تخضع للسیادة الكاملة للدولة الساحلیة.

فجزء من البحر العالي، و یترتب على ذلك النتائج التالیة:

  • المنطقة لا تخضع لسیادة الدولة الساحلیة بل تمارس علیها حقوق سیادیة.
  • حریة الملاحة البحریة في المنطقة
  • منع خرق القوانین والأنظمة الجمركیة أو المتعلقة بالهجرة والصحة داخل إقلیمها أو بحرها الإقلیمي
  • المعاقبة على أي خرق للقوانین المذكورة إذا حصل ذلك داخل البحر الإقلیمي أو إقلیم الدولة

-4المنطقة الاقتصادیة الخالصة:

هي منطقة استحدثت بموجب اتفاقیة مونتي قوبي، وذلك استجابة لطلب الدول في منظمة الأمم المتحدة للبحار

حیث تبنت بذلك حل وسط بین الدول التي تحدد عرض بحرها الإقلیمي بـ 200میلا بحریا والدول الأخرى المعارضة لذلك.

وإستحدثت هذه المنطقة بموجب المادة  55من الاتفاقیة وحددت مسافتها بـ 200میل بحري تحدّد ابتداء من خطوط الأساس التي یقاس منه عرض البحر الإقلیمي لكن مع مراعاة وضع الدول المتقابلة.

أقرت الاتفاقیة المذكورة مجموعة من الحقوق والالتزامات سواء للدول الساحلیة أو غیر الساحلیة

حیث یحق للدول الساحلیة في المنطقة وأعماقها القیام بأعمال البحث عن الموارد الطبیعیة والحیة وإ دارتها.

وكذلك إستغلالها من أجل إنتاج للطاقة وإنشاء جزر اصطناعیة ومنشآت ومركبات وتطبیق القوانین وحمایة البیئة والمحافظة علیها من التلوث.

وعلیه لا تخضع المنطقة لسیادة الدولة الساحلیة، بل تمارس علیها حقوق سیادیة، وتلتزم بعدم إعاقة حریة الملاحة البحریة فیها وبحمایة البیئة

وتقرر بذلك قوانین وأنظمة تمنع التلوث وتحدد التدابیر اللازمة لذلك.

كما تلتزم بالموافقة على مشاریع البحث العلمي البحري التي تضطلع بها الدول الأخرى والمنظمات الدولیة

المتخصصة وبتعیین الحدود في المنطقة في حالة التقابل مع الدول الأخرى.

-5الامتداد القاري (الجرف القاري):

یشمل الجرف القاري لأي دولة ساحلیة قاع وباطن أرض المساحات المغمورة التي تمتد ما وراء بحرها الإقلیمي في

جمیع أنحاء الامتداد الطبیعي لإقلیم تلك الدولة البري حتى الطرف الخارجي للحافة القاریة أو إلى مسافة 350میل

بحري من خطوط الأساس التي یقاس منها عرض البحر الإقلیمي إذا لم یكن الطرف الخارجي للحافة القاریة یمتد إلى تلك المسافة.

لا یمتد الجرف القاري لأي دولة ساحلیة إلى ما وراء الحدود، وتشمل الحافة القاریة لأي دولة ساحلیة الامتداد القاري المغمور من الكتلة البریة

وتتألف من قاع البحر وباطن الأرض للجرف والمنحدر، ولكنها لا تشمل القاع العمیق للمحیط بما فیه من إرتفاعات متطاولة ولا باطن أرضه.

-6أعالي البحار:

هي الامتدادات البحریة غیر الخاضعة لسیادة أیة دولة، حیث تأتي مباشرة بعد المساحات البحریة المذكورة سابقا

والتي تشمل البحر الإقلیمي والمنطقة المجاورة والمنطقة الاقتصادیة الخالصة وتخضع هذه المنطقة إلى النظام القانوني الدولي.

فهي تعدّ منطقة تابعة للتراث المشترك للإنسانیة، وهي حرّة تخضع لمبدأ حریة أعالي البحار

حیث لا تخضع لسیادتها، بل تستغل من أجل أغراض البحث العلمي والاستعمال السلمي.

یقصد بحریة أعالي البحار بأنّ المنطقة تخضع لحریة الملاحة البحریة والصید، وحریة التحلیق ووضع الكابلات إذ

یحق للسفن التابعة للدول الأجنبیة بالمرور عبر المنطقة بكل حریة مع إشتراط أن تحمل علم تبین من خلالها عن جنسیتها.

كما تتمتع الطائرات بحریة التحلیق فوقها، وكذا بحریة وضع الكابلات وخطوط الأنابیب وحق التعویض في حالة إحداث أضرار تلحق بها وحریة الصید العادل والمعقول

وحریة البحث العلمي وإقامة الجزر الاصطناعیة تتمتع السفن الحربیة في المنطقة بحصانة حیث لا تخضع للرقابة إلا في حالة كونها سفن للقرصنة.

أما بالنسبة للسفن الأخرى فهي تخضع لإختصاص دولة العلم، ولا یجوز التدخل فیها إلا إذا سمحت بذلك إتفاقیة دولیة

أو تعلق الأمر بسفینة قرصنة أو سفینة تقوم بالبث الإذاعي غیر المرخص به.

كما لا یجوز التدخل أو القیام بزیارة إلا إذا تعلق الأمر بسفینة یقوم تجارة الرقیق أو المخدّرات.

ج- العنصر الجوي

لقد بدأ الاهتمام بالفضاء بعد أول إختراع للطائرات وإ ستعمالها في الحروب ثم للنقل

كما ازداد هذا الاهتمام أكثر تطورا بعد إختراع الأقمار الصناعیة والصواریخ.

وساد عند الفقه والقانون الدولیین أن یخضع العنصر الجوي الذي یعلو الإقلیم البري والبحري بالنسبة للدول الساحلیة في حدود المیاه الداخلیة والبحر الإقلیمي لسیادة الدولة

حیث تنظمه معاهدة باریس لسنة 1919وإ تفاقیة شیكاغو لسنة 1944.

یخضع المجال الجوي التابع للدولة لنظام قانوني دولي یضمن للدول حریة تنظیم الرواق الجوي الذي یعلو إقلیمها

حیث یمكن لها أن تمنع الطائرات الأجنبیة من المرور عبر إقلیمها الجوي.

ویكمن الفرق بین الإقلیم الجوي والفضاء الخارجي في كون الإقلیم الجوي یعلو المناطق الخاضعة لسیادتها

حیث یخضع بذلك إلى مبدأ سیادة الدول على الإقلیم الجوي.

أخذت إتفاقیة شیكاغو لسنة 1944بنظریة السیادة الكاملة للدولة على إقلیمها الجوي

كما تضیف الاتفاقیة أنّ تنظیم الملاحة الجویة بین الدول یخضع لاتفاقیات دولیة تبرم بین الدول أو تبرم في إطار المنظمة الدولیة للطیران المدني

والتي أنشئت بموجب هذه الاتفاقیة وهي تتكون من جمعیة عامة ومجلس المنظمة وأجهزة فرعیة، وتتمثل أهدافها فیما یلي:

  • كفالة أمن الطیران المدني في العالم وكذا نموه.
  • تشجیع فنون تصمیم الطائرات وإ ستغلالها لإغراض سلمیة.
  • تشجیع وتطویر الطرق الجویة وبناء المطارات.
  • منع المنافسة غیر المشروعة في المجال الاقتصادي.

من أجل تحقیق هذه الأهداف، تتبنى المنظمة قواعد نموذجیة لتنظیم الاتصالات والعلامات الأرضیة وخصائص المطارات ومناطق الهبوط والخرائط الجویة.

أقرّت إتفاقیة شیكاغو قواعد خاصة بتنظیم الملاحة الجویة، حیث إعترفت للطائرات الأجنبیة بحق القیام برحلات جویة غیر مستعملة على خطوط منتظمة

بشرط عدم توقف الطائرات المعنیة عند مرورها عبر إقلیم الدولة وذلك دون الحصول على إذن مسبق من تلك الدولة.

غیر أنه یجوز للدولة أن تطلب من الطائرات التي تعبر فوق إقلیمها الجوي النزول فورا لاعتبارات أمنیة تستدعي

كما قضت أیضا بحق الدولة الخالص على إحتكار إستغلال الرحلات عبر الطیران الداخلي.

أما فیما یتعلق بالجرائم المرتكبة على متن الطائرات ، فنمیّز بین الجرائم المرتكبة على متن الطائرة أو على الطائرة بحدّ ذاتها

ففي كلتا الحالتین تعتبر إتفاقیة طوكیو لسنة 1963 والمبرمة في إطار منظمةالطیران المدني.

والتي دخلت حیز التنفیذ سنة 1969 الإطار العام لمعالجة هذا الموضوع تنص المادة 3من الإتفاقیة المذكورة أعلاه

على أنّ الاختصاص بالنظر في الجرائم الواقعة على متن الطائرات وعلى الطائرات یعود إلى دولة التسجیل.

وتلتزم الدول المتعاقدة في ذلك بإتخاذ كل الإجراءات الضروریة للممارسة هذا الاختصاص

ولا یمكن لأي دولة متعاقدة غیر دولة التسجیل ممارسة هذا الاختصاص إلا إذا كانت للجریمة إثر فوق إقلیم تلك الدولة

أو إذا ارتكبت الجریمة من قبل أحد رعایا تلك الدولة أو ضد أحد رعایاها أو أحد الأشخاص المقیمة في إقلیمها.

أو في حالة ما إذا كانت ممارسة الاختصاص ضروریة لكفالة إحترام الدولة لالتزاماتها المترتبة عن إتفاقیة شیكاغو

واستبعدت المادة  3 من إتفاقیة شیكاغو من نطاق تطبیقها الطائرات العامة التابعة للدولة.

حیث تشمل عادة الطائرات الحربیة والطائرات المستخدمة في الخدمة العامة كتلك التابعة لمصالح الجمارك، والبولیس والبرید.

ولقد نصت الاتفاقیة المذكورة على أمرین في غایة الأهمیة، وهما:

  • لا یجوز لأي طائرة أجنبیة أن تحلق أو تهبط على إقلیم الدولة إلا بإذن أو إتفاق یسمح بذلك.
  • تلتزم الدول عند إصدارها للوائح التي تنظیم الطیران بمراعاة سلامة الملاحة للطائرات المدنیة.
  • إمكانیة تنظیم إستخدام الإقلیم الجوي بمقتضى معاهدات دولیة مثل إتفاقیة هلسنكي لسنة 1992 للتحقق من الالتزام بإتفاقیات الحد من الأسلحة.

أما فیما یخص الفضاء الخارجي، فهي المنطقة الجویة التي تعلو الإقلیم الجوي للدول، حیث تعتبر تراث مشترك للإنسانیة تستخدم من أجل أغراض سلمیة

وأنشأت الجمعیة العامة للأمم المتحدة لجنة دولیة للاستخدامات السلمیة للفضاء الخارجي سنة 1958

ووضعت مجموعة من القواعد التي تحكم الفضاء الخارجي والتي كرست في شكل إتفاقیات دولیة، ومن بینها قواعد

الاستكشاف وإ ستخدام الفضاء الخارجي (الأجسام السماویة)

والخاضعة لاتفاقیة ،1968وإتفاقیة إنقاذ رجال الفضاء لسنة ،1968والمسؤولیة الدولیة عن الأضرار التي تسببها المركبات الفضائیة

والتي تنظمها إتفاقیة ،1976وكذا الإتفاقیة المتعلقة بتنظیم أنشطة الدول في القمر والأجسام السماویة لسنة 1979

یخضع الفضاء الخارجي لمبادئ هامة:

  • مبدأ حریة إستغلال الفضاء الخارجي وفقا لمعاهدة لندن، وموسكو وواشنطن لسنة 1967
  • عدم قابلیة إخضاع الفضاء الخارجي لسیادة الدول
  • تحمل الدول للمسؤولیة الدولیة عن الضرار التي تنجم عن أعمال التجسس
  • الإلتزام بالاستخدام السلمي للفضاء الخارجي ومنع السباق نحو التسلح فیه وفقا لقرارات الجمعیة العامة الصادرة سنة 1987
عنصر السكان

یعدّ عنصر السكان ركناً أساسیا لنشأة الدولة في القانون الدولي، لأن الشعب هو الذي ینشأ الدولة

ومن جهتها تمارس الدول كل إختصاصاتها الكاملة على السكان (أولا) ، ومن بین مظاهر هذه الإختصاصات ممارسة الحمایة الدبلوماسیة (ثانیا).

أولا: المقصود بالسكان

لا یشترط القانون الدولي حد أدنى من عدد السكان لقیام الدولة، فهناك دول تضم مئات الملایین من السكان

ودول أخرى لا یتجاوز تعدادها عن الملیون ویعود إختصاص تحدید الأشخاص التابعین للدولة إلى الدولة بنفسها.

حیث تضع قانون الجنسیة وتحدّد بموجبه شروط التمتع بجنسیتها وتسن القوانین الأخرى التي یخضع لها مواطنیها ویقسم السكان في أیة دولة إلى ثلاثة فئات، وهي :

أ- المواطنون:

هم الأفراد التابعین للدولة، حیث تثبت لهم جمیع الحقوق والواجبات، ویمنحون ولائهم التام لها

ویرتبطون بها عن طریق رابطة الجنسیة، وتحدّد الجنسیة بموجب قانون قائم على روابط معینة، كرابطة الدم أو الإقلیم

كما یمكن للأشخاص التجنس بجنسیة الدولة في حالة توفر الشروط اللازمة لذلك وقبول الجهات المعنیة بطلب التجنس.

بالنسبة للمشرع الجزائري مثلا یحدد الأشخاص الذین یتمتعون بالجنسیة الجزائریة وفقا لقانون الجنسیة

وصدر أول قانون خاص بالجنسیة الجزائریة سنة ،1963وعدل وتمّ م بموجب الأمر رقم ،86/70

وثم وضع المشرع قانون جدید ینظم الجنسیة وهو الأمر رقم ،01/05

وأخذ المشرع في القانون الجدید بكل من رابطتي الدم والإقلیم، أي یعدّ كل شخص مولود من أب أو أم جزائریة جزائري وفقا للمادة  6 منه

كما یعتبر الولد المولود في الجزائر من أبوین مجهولین أو من أب مجهول وأم مسماة في شهادة میلاده جزائریا.

إضافة إلى ذلك یمكن للشخص أن یكتسب الجنسیة الجزائریة عن طریق الزواج وفقا للمادة 9 مكرر من القانون المذكور أعلاه

إذا كان الزواج قانونیا وقائما فعلیا منذ ثلاثة سنوات على الأقل عند تقدیمه لطلب التجنس وكانت له إقامة معتادة في الجزائر لمدة سنتین.

أما بالنسبة للتجنس بالجنسیة الجزائریة، فیمكن للشخص الأجنبي أن یكتسبها متى توفرت فیه الشروط المحدد في المادة  10من قانون الجنسیة

ویمكن أن یعفى من هذه الشروط أو من البعض منها في حالة ما إذا وردت حالته ضمن الإستثناءات الواردة في المادة 11من قانون الجنسیة.

ب- المقیمون:

وهم الأشخاص الذین یقیمون على إقلیم الدولة إقامة معتادة لسبب من الأسباب، دون أن تكون لهم جمیع حقوق المواطنین وخاص حق الترشّح للإنتخابات أو التصویت فیها.

ج- الأجانب:

وهم رعایا الدول الأخرى، وتكون إقامتهم لفترة محددة تتجدد دوریا إن تطلب الأمر ذلك، سواءً لأغراض العمل أو السیاحة.

ثانیا: ممارسة الدولة لإختصاصاتها الدولیة على رعایاها (الحمایة الدبلوماسیة نموذجا)

تعتبر الحمایة الدبلوماسیة شكل من أشكال ممارسة الدولة لاختصاصها الشخصي على رعایاها وهي وسیلة من وسائل وضع المسؤولیة الدولیة موضع التنفیذ.

وهذا في حالة إلحاق الضرر بأحد رعایاها من قبل دولة أخرى، مخالفة بذلك أحد الالتزامات الدولیة الواردة في

القانون الدولي، وهو نفس الإختصاص الذي تمارسه المنظمات الدولیة من جانبها على موظفیها عند الاعتداء علیهم أثناء مزاولتهم لمهامهم الوظیفیة.

أ-المقصود بالحمایة الدبلوماسیة:

هي إجراء قانوني تتخذه الدولة في حالة تعرض أحد رعایاها أو أشخاصها الطبیعیة أو المعنویة لضرر من قبل دولة

أخرى بسبب إنتهاكها لالتزام دولي یستوجب ترتیب المسؤولیة الدولیة.

أما المنظمات الدولیة، من جهتها، فتمارس الحمایة الوظیفیة على موظفیها في حالة الإعتداء علیهم أثناء مزاولتهم

لوظائفهم، وهو التعریف الذي تبنته الجمعیة العامة للأمم المتحدة في قرار رقم ( 67 د62).

وعلیه، تتمیّز الحمایة الدبلوماسیة بخصائص عدیدة وهي كالآتي:

– حق ثابت للدولة:

المقصود بذلك أن ممارسة الحمایة الدبلوماسیة إختصاص عام ومانع للدولة ولا یمكن للشخص إلا المطالبة بها من

دولته، بالتالي لایمكن له الادعاء أو الاحتجاج أمام دولته بإلزامها وإ رغامها على ممارسة الحمایة الدبلوماسیة.

– حق تمارسه الدولة على رعایاها:

سواء كانت أشخاص طبیعیة أو معنویة، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولیة في حكمیها الصادرین في قضیتي نوتابوم سنة 1955وبرشلونة تراكشن سنة 1970.

لا یمكن التنازل عن الحمایة الدبلوماسیة:

یقصد بذلك أنه لا یمكن للشخص التنازل عن المطالبة بممارسة الحمایة الدبلوماسیة من دولته، لأن هذا الحق ثابت و مقرر لها ولیس للأشخاص.

– ممارسة الحمایة الدبلوماسیة نادرة في العمل الدولي:

یقصد بذلك، أنّه غالبا ما یتم حل النزاعات الدولیة بین الدول والمتعلقة الإعتداء على رعایاها عن طریق القضاء

الداخلي أو بالوسائل الدبلوماسیة عوض اللجوء إلى إتخاذ إجراء الحمایة الدبلوماسیة.

وتتمثل هذه الوسائل في تدخل الممثل القنصلي أو الدبلوماسي المعتمدین أمام الدول المسببة للضرر، وكذا الإتفاق على

تسویة النزاعات عن طریق المفوضات أو عرض النزاعات أمام التحكیم أو هیئة قضائیة محایدة.

ب- شروط ممارسة الحمایة الدبلوماسیة:

حدّدت شروط ممارسة الحمایة الدبلوماسیة من قبل القضاء الدولي، وهي تتمثل فیما یلي:

-1أن یكون الشخص المتضرر متمتعا بجنسیة الدولة الممارسة للحمایة الدبلوماسیة:

أكدت محكمة العدل الدولیة على شرط الجنسیة في حكمها الصادر في قضیة “نوتابوم” وفي النزاع بین أوغندا وجمهوریة الكونغو الدیمقراطیة.

حیث قضت فیها بأنّ شرط الجنسیة ضروري لممارسة الحمایة الدبلوماسیة على الشخص المتضرّر سواء تعلق الأمر

بشخص طبیعي أو معنوي أما في حالة متعدد الجنسیات، تقضي محكمة العدل الدولیة بضرورة الأخذ بالجنسیة الفعلیة للشخص.

ویقصد بالجنسیة الفعلیة الارتباط الفعلي بین الشخص المتضرر و الدولة الممارسة للحمایة الدبلوماسیة، حیث یجب

أن تكون رابطة الجنسیة مبنیة على أساس تضامن إجتماعي بین الشخص والدولة أي قائمة على روابط و عوامل فعلیة مثل: الإقامة، ممارسة الحقوق السیاسیة في الدولة، اللغة وممارسة الشعائر الدینیة وبالتالي.

یجب أن تكون الجنسیة من الممكن الاحتجاج بها أمام الدول الأخرى، حیث أكدت على الأخذ بالجنسیة الفعلیة التي

یمكن الإحتجاج بها أمام الدول دون أن تنكر الآثار التي یمكن أن ترتبها الجنسیة الأخرى في إقلیم الدولة المانحة لهذه الجنسیة .

وفي نفس السیاق، قضت في إشارة إلى موضوع الشخص المتعدد الجنسیات بأنه لا یمكن للدولة أن تمارس الحمایة

الدبلوماسیة على شخص یعتبر في الوقت نفسه من أحد رعایا الدولة المدعى علیها.

وبالإضافة إلى ذلك، یشترط القضاء الدولي أیضا أن تكون الجنسیة قائمة بدایة من وقوع الفعل غیر المشروع إلى غایة صدور الحكم النهائي.

حیث یشترط استمرار رابطة الجنسیة، فإذا انعدمت الجنسیة خلال هذه الفترة لا یمكن للدولة ممارسة الحمایة الدبلوماسیة على الشخص المتضرر.

-2عدم مساهمة الشخص بسلوكه في حدوث الضرر:

یسمى هذا الشرط في القانون الدولي بشرط الأیدي النظیفة، ویقصد به أن یكون الشخص المتضرر غیر متسبب بنفسه في وقوع الضرر.

حیث إذا إرتكب فعلا مخالفا للقانون الدولي وأدى به إلى تضرره بسبب تدخل الدولة المعتدیة فإنّه لا یستفید من إجراء الحمایة الدبلوماسیة على أساس إنتفاء هذا الشرط.

– 3ضرورة إستنفاذ كل طرق الطعن الداخلیة قبل اللجوء إلى ممارسة الحمایة الدبلوماسیة:

یقصد بذلك أن یكون الشخص المتضرر قد إستنفذ كل طرق الطعن العادیة وغیر العادیة التي یتیحها القانون الداخلي

للدولة المعتدیة أمام القضاء وهذا قبل طرح النزاع أمام القضاء الدولي.

والعلّة في ذلك هو الرغبة في منح الفرصة للدولة المعتدیة إصلاح الضرر بالوسائل الداخلیة وتفادي كثرة النزاعات لدولیة أمام القضاء الدولي.

إلا أن القضاء الدولي وضع إستثناءات تر على هذا الشرط، حیث یعفى الشخص المتضرر من شرط إستنفاذ طرق

الطعن الداخلیة وطلب الحمایة الدبلوماسیة من دولته دون التقیّد بالشرط المذكور. وتتمثل هذه الاستثناءات فیما یلي:

  • حالة عدم وجود رابطة فعلیة بین الشخص المتضرر والدولة المعتدیة.
  • حالة عدم التصدي للدعوى أو الحكم بعدم الاختصاص بسبب كون المسألة من أعمال السیادة.

من بین لآثار المترتبة عن ممارسة الحمایة الدبلوماسیة حصول تعویض عن الضرر أو إعادة الوضع إلى ما كان علیه سابقا.

ویخضع تقدیر مبلغ التعویض إلى السلطة التقدیریة للقاضي الدولي بعد إعداد خبرة من خبیر دولي مختص في ذلك

أو عن طریق إحالة تسویة الأمر بین الأطراف المتنازعة بإلاتفاق أو تقدیم إعتذار رسمي أو إرسال مذكرات دبلوماسیة بین الدولتین.

ویتم التعامل بهذه الوسیلة خاصة في حالة وقع ضرر معنوي یصیب سمعة الدولة ورعایاها في المحافل الدولیة.

السلطة العامة

یقصد بهذا العنصر وجود هیئة تمارس وظائف الدولة على المستویین الداخلي والخارجي، تضع قوانین وتحافظ على

النظام العام وتسیر شؤون الإقلیم والسكان وبالعودة إلى وجهة نظر القانون الدولي. فإن هذا الأخیر لا یهتم، من حیث المبدأ، بشكل النظام السیاسي والاقتصادي والاجتماعي السائد في الدولة.

 إلا أنه یشترط توافر المشروعیة القانونیة بمفهومیها الدستوري والدولي في قیام السلطة السیاسیة داخل الدولة؛ أي

بناء دولة على أسس دیمقراطیة وسیادة القانون وإ حترام الحقوق والحریات الأساسیة للإنسان، وهو الأمر الذي یجعل السیادة نسبیة في وجهة نظر القانون الدولي المعاصر.

إضافة إلى ذلك، یشترط في ممارسة الحكومة لسلطاتها أن تكون فعلیة، وأن تكون سلطتها خالصة؛ أي أن یخضع كل ما یوجد في إقلیم الدولة من سكان وأشیاء إلى السلطة السیاسیة.

وأن تكون موحّدة وغیر منقسمة بین عدّة دول أو تكون خاضعة للسیطرة الأجنبیة وفي كل الأحوال، لا تؤثّر التغیرات

التي تطرأ على السلطة على الالتزامات الدولیة التي تعقدها الدولة في عهد حكومة سابقة، بل تبقى على عاتقها وتستمر إلى غایة زوال الدولة أو إنقضاء هذه الالتزامات.

وهي تمارس من قبل ممثلي الدولة على المسویین الداخلي والدولي، كالرئیس أو الوزیر الأول أو البرلمان، ویتكفلون

بإبرام المعاهدات الدولیة وإ تخاذ القرارات باسم الدولة، ومقابل ذلك یستفیدون من حصانات دبلوماسیة وإ متیازات على المستوى الدولي.

إلا أن هذه الحصانة لا تقیهم من مسألتهم دولیا بسبب إرتكابهم لجرائم دولیة.

السیادة

یعدّ عنصر السیادة من العناصر الأساسیة لنشأة أیة دولة في القانون الدولي، حیث لا یعترف بها في حالة عدم توافره وهذا حتى ولو توفرت العناصر الأخرى (أولا).

وتتمیّز بطبیعة خاصة مقارنة بالكیانات الأخرى (ثانیا).

ویترتّب عنها عدّة آثار في القانون الدولي، ومن بینها الإقرار لها بجمیع الحقوق المقررة فیه (ثالثا).

لكن مقابل ذلك تتقیّد ببعض القیود التي تجعلها غیر مطلقة (رابعا).

أولا: مفهوم السیادة

السیادة وضع قانوني ینسب للدولة عند توافرها على مقومات مادیة من مجموع أفراد وإقلیم وهیئة منظمة وحاكمة

وهي تمثل ما للدولة من سلطان تواجه به الأفراد داخل إقلیمها وتواجه به الدول الأخرى في الخارج.

ومن مقتضیات هذا السلطان أن یكون مرجع تصرفات الدولة في مختلف شؤونها إرادتها وحدها، ویعني ذلك أن سلطة الدولة في الداخل والخارج لا تعلوها أیة سلطة.

وتكون واحدة غیر قابلة للتجزئة ولا تقبل التصرف فیها الخضوع للتقادم المكتسب أو المسقط.

وفي هذا الإطار، تعرّف محكمة العدل الدولیة “السیادة بأنّها هي ولایة الدولة في حدود إقلیمها ولایة انفرادیة ومطلقة

وأن احترام السیادة الإقلیمیة فیما بین الدول المستقلة یعد أساسا جوهریا من أسس العلاقات الدولیة
بناءً على ذلك، تظهر السیادة بمظهر داخلي من خلال سمو سلطانها على أفرادها.

حیث تتمتّع بالحریة التامة في اتخاذ القرارات ووضع القوانین والأنظمة والاحتكار الشرعي لأدوات القمع، كما تظهر بمظهر خارجي، ویصبح مضمونها سلبیا، وذلك بعدم قبول أیة سلطة أعلى منها.

حیث لا تتقیّ د في المجال الدولي إلا بالاتفاقات الدولیة التي تعقدها هي نفسها

یتعین عند البحث عن ما إذا كانت دولة ما تتمتع بالسیادة التمییز بین السیادة القانونیة والفعلیة حیث یمكن لدولة معینة أن تتمتع بوصف الدولة

إلا أنها لا تستطیع الإنفراد بممارسة كافة سلطاتها كما هو الوضع بالنسبة للدول الخاضعة لأنظمة الحمایة والإنتداب والوصایا.

ویرجع سبب ذلك إلى عدم إكتساب هذه الدول للأهلیة الكاملة في مباشرة حقوقها وإلتزاماتها الدولیة على المستویین

الداخلي والدولي في آن واحد، بل تخضع في تسییر شؤونها الخارجیة و في مسائل الدفاع إلى سیطرة أجنبیة.

ثانیا: طبیعة السیادة

تتمیّز السیادة في القانون الدولي الكلاسیكي بكونها مطلقة، وهذا ما أخذ به فقه القانون الدولي الحدیث والمجتمع الدولي الأوربي

حیث یعتبرون أنه لا مجال للقانون الدولي في المسائل الداخلیة للدول بل یبقى القانون الدولي قانون قائم على إرادة الدول وهي حرّة في التحلل من قواعده.

أما الاتجاه المعاصر یرى بأن السیادة نسبیة مقیدة بالقانون الدولي، حیث یتقلص المجال المحفوظ للقانون الداخلي بتطور القانون الدولي

لأن هذا الأخیر تبقى قواعده ملزمة رغم نشأته بإرادة الدول وأمثلة المسائل الداخلیة التي یهتم بها القانون الدولي.

نذكر مسألة حقوق الإنسان ومتابعة ممثلي الدول عن الجرائم الدولیة التي یرتكبونها، وتخضع الدولة لقواعده بمحض إرادتها

ثالثا: الآثار القانونیة المترتبة عن السیادة

یترتب عن تمتع الدولة بالسیادة آثارا متعدّدة، وأهمها:

أ- التمتع بكافة الحقوق والمزایا التي یمنحها القانون الدولي:

تتمتع الدول بكافة الحقوق والمزایا الكامنة في سیادتها، سواء على الصعید الدولي كإبرام المعاهدات الدولیة، وتبادل

التمثیل الدبلوماسي والقنصلي وإثارة المسؤولیة الدولیة للمطالبة بالتعویض عن الأضرار التي أصابتها أو تصیب رعایاها أو إصلاح هذه الأضرار.

وعلى المستوى الداخلي فللدولة حق التصرف في مواردها الأولیة وثرواتها الطبیعیة

كما یمكنها اتخاذ التدابیر التي تراها مناسبة حیال الأشخاص المتواجدین على إقلیمها بغض النظر صفتهم كمواطنین أو أجانب.

ب- المساواة بین الدول

تترتب على السیادة كذلك أن الدول متساویة قانونا، إذ لیس هناك تدرج في السیادة، معنى ذلك أن الحقوق والواجبات

التي تتمتع أو تلتزم بها الدول متساویة من الناحیة القانونیة حتى ولو كان هناك اختلاف بینها من ناحیة الكثافة السكانیة أو المساحة الجغرافیة أو الموارد الاقتصادیة.

غیر أن مبدأ المساواة في السیادة الذي أقره میثاق منظمة الأمم المتحدة لیس مطلقا

فهناك العدید من الحقوق تتمتع بها الدول الدائمة العضویة في مجلس الأمن كحق استخدام حق (الفیتو)

وحق تعدیل المیثاق لا تتمتع بها الدول الأعضاء الأخرى وهو ما یدلّ على عدم وجود مساواة فعلیة بین الدول.

جـ- إحترام سلامتها الإقلیمیة واستقلالها السیاسي:

یقصد بذلك عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلیة للدول، إذ كل دولة حرة في اختیار وتطویر نظامها السیاسي والاقتصادي والاجتماعي والسیاسي والثقافي، دون تدخل من جهة أخرى

غیر أن سیادة الدولة مقیدة بأحكام القانون الدولي، خاصة منها المتعلقة بحقوق الإنسان وإ رتكاب جرائم الحرب وجرائم إبادة الجنس البشري.

إضافة إلى ذلك، تمتنع الدول وفقا لقرار الجمعیة العامة للأمم المتحدة رقم (3314د – 29 ) عن القیام بأعمال

عدوانیة أو التهدید باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السیاسي لأیة دولة أو على أي وجه آخر لا یتفق مع مقاصد منظمة “الأمم المتحدة.

وكذلك عن إرسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غیر نظامیة أو مرتزقة إلى دولة أخرى لضرب إستقرارها.

د- حصانتها من العدوان الخارجي والتدخل في شؤونها الداخلیة:

یقصد بذلك أنّ أحكام القانون الدولي تحظر كل الأعمال العدوانیة، سواء إستهدفت الحصول على مزایا أو كانت

وسیلة لحسم نزاع لم یستطیع أطرافه التوصل إلى تسویته بالطرق السلمیة، ولم ینصرف الحظر إلى منع إستخدام القوة.

وإنما یمتد لیشمل مجرد التهدید بإستخدامها، كقیام دولة بحشد قواتها ووضعها على حدود دولة أخرى بغیة إجبارها على تنفیذ مطلب معین.

ویعترف القانون الدولي للدول، وفقا لما تقضي به المادة  51 من میثاق منظمة الأمم المتحدة، بحقها الطبیعي في الدفاع الشرعي عن نفسها في حالة تعرّضها للعدوان.

أصرّ میثاق منظمة الأمم المتحدة على أهمیة هذا المبدأ بالنسبة لجمیع الدول نظرا لإرتباطه بالنظام العام الدولي

وكونه من بین القواعد الآمرة للقانون الدولي والأعمال العدوانیة لیست قاصرة على إستخدام القوة المسلحة.

بل تشمل أیضا جمیع أعمال الضغط والعنف الأخرى، ولاسیما ما یسمى بالعدوان الإقتصادي، والذي لا یمكن فیه للدول أن تستخدم فیه حقّها في الدفاع الشرعي.

رابعا: القیود الواردة على السیادة

یقید القانون الدولي سیادة الدول في تصرفاتها بالعدید من القیود، حیث یلزمها أساسا بعدم القیام بأعمال تمس بالسلم

والأمن الدولیین، إضافة إلى ذلك یقیّدها بقیود أخرى جاءت بشكل عام، ومن بینها:

  • خضوع الدولة للقانون الدولي
  • إحترام حقوق وحریات الأفراد
  • الإمتناع عن إستخدام أراضیها للمساس بالإستقلال السیاسي للدول الأخرى
  • التقید بالإلتزامات الدولیة التي یعقدها مع الدول والمنظمات الدولیة
  • إلقاء المسؤولیة الدولیة علیها عند مخالفتها لإلتزاماتها الدولیة والإلتزام بالتعویض عن ذلك
عنصر الاعتراف

الإعتراف هو إقرار رسمي صادر من دولة أو دول قائمة تسلم بموجبه بنشأة وضع جدید في المجتمع الدولي

وقد یكون متعلقا بالاعتراف بدولة أو بحكومة أو بكیانات أخرى.

ویتّخذ عدّة أوصاف، حیث یمكن أن یكون فردیا أو جماعیا وقد یعلن صریحةً أو ضمنیا وبالتالي یعتبر هذا الإقرار كاشف لوجود واقع دولي جدید ولیس منشأ له.

وهي مسألة سیاسیة أكثر منها قانونیة، حیث یعتبر قرار الاعتراف ذو طابع سیاسي بالدرجة الأولى ولهذا السبب

نرى بأنّ عنصر الاعتراف ما هو إلا عنصر یمكّن الدولة من مباشرة حقوقها في المجتمع الدولي ولا ینشئها.

حیث تسلم الدول الأخرى بوجودها في المجتمع الدولي وتسمح لها بالدخول معها في علاقات دبلوماسیة

وتتمكن بناءً على ذلك من التعبیر عن سیادتها في القانون الدولي ومباشرة حقوقها وتحمل إلتزاماتها الدولیة أمام هذه الدول.

رابعا: آثار الاعتراف

یترتب عن الاعتراف في صورته الطبیعیة إقامة علاقات دبلوماسیة بین الدول المعنیة عن طریق تبادل السفراء

والقیام بالزیارات وإبرام معاهدات تعاون مع احتفاظ الدولة المعترفة بحق سحب إعترافها في أي وقت.

أما في حالة عدم الاعتراف، فیؤدي الأمر إلى الحالة العكسیة دون أن یمنع ذلك دخول الدولتین في علاقات محدودة

كإبرام إتفاق هدنة إذا كانت الدولتین في نزاع مسلح، ومشاركة الدول المعنیة في المنظمات والمؤتمرات الدولیة.

وكذا تبادل المساعدات الإنسانیة في حالة حدوث كوارث طبیعیة أو إنسانیة

المنظمات الدولیة

تعدّ المنظمات الدولیة الأشخاص الحدیثة للقانون الدولي وتتمیّز عن الدول في مفهومها وعناصر نشأتها وهذا ما سنتناوله في (المطلب الأول).

وتتمتّع بشخصیة قانونیة دولیة معترف بها بموجب قواعد القانون الدولي (المطلب الثاني).

مفهوم المنظمة الدولية

تنشأ المنظمات الدولیة من قبل الدول، وتتّخذ صورة هیئات دولیة تجتمع فیها الدول في كیان یتمتّع بالإرادة الذاتیة (الفرع الأول)

وتتوفّر على عناصر مختلفة عن عناصر نشأة الدول في القانون الدول (الفرع الثاني) ، وهي تصنّف إلى عدّة أنواع (الفرع الثالث).

المقصود بالمنظمة الدولیة

یقصد بالمنظمة الدولیة كل هیئة دائمة تتمتع بالإرادة الذاتیة وبالشخصیة القانونیة الدولیة حین تتفق مجموعة من الدول على إنشائها

وهي وسیلة من وسائل التعاون الاختیاري بینها في مجال أو مجالات معینة یحددها الاتفاق المنشئ للمنظمة

ویعرفها غالبیة الفقه بكونها ذلك الكیان الدائم الذي تقوم الدول بإنشائه من أجل تحقیق أهداف مشتركة.

ولبلوغها یستلزم الأمر منح هذا الكیان إرادة ذاتیة وبناء على ذلك، لنشأة أیة منظمة دولیة یجب أن تتوفّر فیها عناصر أساسیة وهي:

الكیان الدائم والصفة الدولیة، وأهداف مشتركة، والإرادة الذاتیة أي الشخصیة القانونیة الدولیة.

العناصر الأساسیة لنشأة للمنظمة الدولیة

تتمثل العناصر الأساسیة لنشأة المنظمة الدولیة، فیما یلي:

أ – عنصر الكیان الدائم المتمیّز :

یقصد به أن تكون المنظمة قد أنشئت لتكون دائمة، ولا یكون وجودها عرضیا كما هو الشأن بالنسبة للمؤتمرات الدولیة

وهي تتمیّز عن الكیانات المشابهة لها وعن الدول المنشأة لها في كونها مستقلة عن هذه الدول.

حیث تمارس نشاطاتها بشكل مستقل عنها وتكلّف بهذه المهام الأجهزة الرئیسیة والفرعیة التي تتشكّل منها لا یستلزم صفة الدوام الاستمرار المادي بجمیع أجهزة المنظمة

فإستمراریة المنظمة تعني أن لا یكون وجودها عرضیا كما في المؤتمرات الدولیة.

فإذا كانت المؤتمرات الدولیة تشبه في طریقة عملها أجهزة المنظمة الدولیة من حیث الإجراءات المتبعة أو عملیة اتخاذ القرارات.

إلا أنّهما یختلفان من حیث أنّ المؤتمر الدولي ینعقد لبحث مسألة معینة ینقض بعدها بغض النظر عن النتیجة التي یتوصل إلیها

على عكس أجهزة المنظمة التي تتسم بالدوام وتنعقد بصفة دوریة محددة سلفا في المیثاق المنشأ لها.

ب- عنصر الإرادة الذاتیة:

یقصد به أنّ المنظمة تتصرّف عند ممارستها لمهامها بشكل مستقل عن الدول الأعضاء،

حیث تعبّر عن إرادتها عن طریق أجهزتها وتتّخذ قراراتها بإسمها ومن أجل تحقیق أهدافها وتنصرف آثار هذه القرارات إلى الدول الأعضاء.

وذلك حتى ولو لم تكون في مصلحتها، وهو ما یمیّز المنظمة الدولیة عن المؤتمر الدولي

وتكون المنظمات مستقلة في التعبیر عن إرادتها من أجل تحقیق المصالح المشتركة للدول الأعضاء

والقیام بدور فعال في العلاقات الدولیة ویترتب على تمتع المنظمة الدولیة بالإرادة الذاتیة عدة نتائج، وهي:

  • تنسب الأعمال القانونیة الصادرة عن المنظمة إلیها لا إلى الدول الأعضاء فیها.
  • تمتع المنظمة بذمة مالیة مستقلة عن الذمة المالیة للدول الأعضاء فیها، من هنا قد تكون المنظمة دائنة ومدینة للدول الأعضاء فیها أو للغیر.

ج – الاستناد إلى اتفاقیة دولیة:

یقصد به أنّ المنظمة الدولیة الحكومیة تنشأ دائما بموجب إتفاق دولي مبرم بین الدول، ویأخذ هذا الإتفاق صورة إتفاقیة أو معاهدة تتضمن أحكامها المیثاق المنشأ للمنظمة.

وتصبح متمتّعة بالشخصیة القانونیة الدولیة بمجرد دخولها حیّز النفاذ ومباشرتها لعملها بصفة رسمیة

وهو ما المنظمات الدولیة الحكومیة عن المنظمات الدولیة غیر الحكومیة.

د- تحدید مجال أو مجالات التعاون بین الدول في المیثاق المنشأ للمنظمة:

یقصد بذلك أنّ المنظمات الدولیة ما هي إلا وسیلة للتعاون الاختیاري بین الدول في مجال معیّن أو مجالات محددة یتفق علیها سلفا

ویحدّد مجال تدخّل المنظمة في المیثاق المنشأ لها، ولا یعني ذلك بأنّ المنظمة تنقص من سیادة الدول المشتركة في عضویتها.

تصنیف المنظمات الدولیة:

یمكن تقسیم المنظمات الدولیة إلى عدّة أنواع، وذلك وفقا لمعاییر متعدّدة حددها الفقه، ومن بینها:

أولا: معیار نطاق العضویة في المنظمة:

وفقا لهذا المعیار تقسم المنظمات الدولیة إلى منظمات عالمیة وأخرى الإقلیمیة

حیث یكون نطاق العضویة في المنظمات الدولیة ذات الطابع العالمي مفتوحا على جمیع الدول دون إستثناء.

لأنّ طبیعة أهدافها تقتضي فتح مجال العضویة لجمیع هذه الدول ومن أمثلة المنظمات العالمیة نذكر:

منظمة الأمم المتحدة، والمنظمة العالمیة للصحة، والمنظمة العالمیة للتجارة.

أما المنظمات الإقلیمیة فنطاق العضویة فیها یقتضي حصره على مجموعة محدّدة من الدول وتكون هذه الدول متقاربة فیما بینها إقلیمیا

ویقصد بالتقارب الإقلیمي وفقا للمفهوم الفني للإقلیمیة وجود تقارب جغرافي أو حضاري أو في المصالح بین الدول الأعضاء.

ومن أمثلة المنظمات الإقلیمیة نذكر منظمة الدول المصدرة للبترول (OPEP) ومنظمة مجلس أوربا

ومنظمة الدول الأمریكیة، وجامعة الدول العربیة ومنظمة الإتحاد الإفریقي.

ثانیا: من حیث الطبیعة الموضوعیة:

وفقا لهذا المعیار تقسم المنظمات الدولیة إلى منظمات دولیة عامة وأخرى متخصصة

وتحدّد الطبیعة الموضوعیة للمنظمة في المیثاق المؤسس لها، وذلك حسب طبیعة الأهداف التي تسعى إلى تحقیقها.

فإذا كانت المنظمة تسعى إلى تحقیق أهداف متعدّدة فنعتبرها منظمة عامة، أما إذا كان مجال تدخّلها یقتصر على مجال معین فهي منظمة متخصصة.

تأتي في فئة المنظمات العامة : عصبة الأمم وهیئة الأمم المتحدة، ویدخل في هذه الفئة أیضا بعض المنظمات الدولیة الإقلیمیة المهمة

كمنظمة مجلس أوربا، ومنظمة الدول الأمریكیة وجامعة الدول العربیة ومنظمة الإتحاد الإفریقي.

أما المنظمات الخاصة، ومن أمثلة المنظمات الخاصة المنظمة العالمیة للصحة.

ثالثا: من حیث طبیعة أعضاء المنظمة:

وفقا لهذا المعیار تقسم المنظمات الدولیة إلى منظمات دولیة حكومیة وأخرى غیر حكومیة

حیث تتشكّل المنظمات الدولیة الحكومیة من دول وتنشأ بموجب إتفاق دولي مبرم بینها

وتكون لهذه المنظمات شخصیة قانونیة دولیة یسمح لها بالمشاركة في خلق قواعد القانون الدولي.

أما المنظمات الدولیة غیر الحكومیة فهي تنشأ من قبل الأفراد وفقا للقانون الوطني لأحد الدول على شكل جمعیات

أو مؤسسات ذات طابع طوعي، وهي تتدخّل مجالات محدّد في نظامها التأسیسي.

ومن أمثلة المنظمات الدولیة الحكومیة نذكر منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة مجلس أوربا، ومنظمة الدول الأمریكیة وجامعة الدول العربیة ومنظمة الإتحاد الإفریقي

أما المنظمات الدولیة غیر الحكومیة نذكر من بینها منظمة العفو الدولیة في مجال حقوق الإنسان ومنظمة السلام الأخضر(Green Peace)  في مجال حمایة البیئة.

رابعا: من حیث الطبیعة القانونیة لنشاط المنظمة:

وفقا لهذا المعیار تقسم المنظمات الدولیة إلى منظمات دولیة قضائیة ومنظمات دولیة إداریة أو إقتصادیة أو إجتماعیة

فهي منظمات حكومیة تتدخّل في مجال معیّن محدد سلفا في میثاقها.

وتحدّد طبیعتها القانونیة وفقا للنشاط الذي تزاوله في المیدان، ویحدّد هذا النشاط في المیثاق المنشأ لها.

ومن أمثلة المنظمات الدولیة القضائیة محكمة العدل الدولیة والمحكمة الجنائیة الدولیة

وضمن المنظمات الدولیة الإقتصادیة نذكر المنظمة العالمیة للتجار، وفي المجال الإجتماعي نذكر منظمة العمل الدولیة، والیونیسیف، والمنظمة العالمیة للصحة.

وتكون منظمة الأمم المتحدة حسب كل التصنیفات المذكورة أعلاه منظمة دولیة حكومیة عامة ذات طابع عالمي

لكون العضویة فیها مفتوحة على جمیع الدول ولكون طبیعة أهدافها تقتضي ذلك.

الشخصیة القانونیة للمنظمة الدولیة

تتمتّع المنظمات الدولیة بالشخصیة القانونیة الدولیة على نطاق محدّد

وكانت المسألة محل جدل فقهي بین فقهاء القانون الدولي وحسمت برأي من محكمة العدل الدولیة (الفرع الأول).

وتنتج عن هذه الصفة آثار قانونیة متعدّدة في القانون الدولي (الفرع الثاني).

وهو ما یسمح لها بإكتساب إستقلالیة تامة عن الدول الأعضاء فیها وبإتّخاذ أعمال تخلق بها قواعد القانون الدولي (الفرع الثالث).

نطاق الشخصیة القانونیة للمنظمة الدولیة

یقصد بها الأهلیة في اكتساب الحقوق، وتحمل الواجبات والالتزامات، والقیام بالتصرفات القانونیة ورفع الدعاوى أمام القضاء، وكانت الشخصیة القانونیة الدولیة لا تمنح إلا للدول.

وقد اعترفت محكمة العدل الدولیة سنة 1949في قضیة (الكونت برنادوت) بالشخصیة القانونیة الدولیة للمنظمات الدولیة الحكومیة.

حیث أثیرت في هذه القضیة مسألة البحث عن مدى تمتّع المنظمة بحق رفع دعوى قانونیة أي دعوى المسؤولیة

الدولیة ضدّ دولة إسرائیل عن الأضرار التي لحقت بموظفیها إبان قیامه بمهمته” قضت المحكمة بما یلي:

“إن المنظمة طبیعة خاصة متمیزة عن الدول، تتمتع بأهلیة تتناسب في اتساع مجالها أو ضیقه مع الأهداف التي أنشئت المنظمة من أجل تحقیقها”.

إضافة إلى ذلك، قررت المحكمة بأن الأشخاص في نظام قانوني معین لیسوا بالضرورة متماثلین في طبیعتهم

وفي نطاق حقوقهم، بل تتوقف على طبیعة ظروف المجتمع الذي ینشأ فیه على متطلباته

كما انتهت إلى أنّ الدول لیست وحدها أشخاص القانون الدولي العام.

إذ قد یتمتع بالشخصیة القانونیة الدولیة كائنات أخرى غیر الدول، إذا ما اقتضت ظروف نشأتها وطبیعة الأهداف المنوطة بها تحقیقها الاعتراف لها بهذه الشخصیة.

لاحظت المحكمة في نهایة الأمر بأن المنظمات الدولیة لا تتمتع بالضرورة بكل هذه الحقوق والالتزامات

بینما تتمتع الدول كأصل عام بكافة الحقوق والالتزامات الدولیة التي یعرفها القانون الدولي.

فإنّ المنظمات الدولیة یتوقف مقدار ما تتمتع به من حقوق والتزامات على أهدافها ووظائفها المحددة صراحة أو

ضمنا في الوثیقة التأسیسیة المنشئة، وعلى ما جرت علیه المنظمة نفسها في حیاتها الواقعیة.

نتائج الاعتراف بالشخصیة القانونیة للمنظمة الدولیة

یترتّب عن الإعتراف للمنظمات الدولیة الحكومیة بالشخصیة القانونیة الدولیة عدّة نتائج، من بینها ما یلي:

  • حق ابرام اتفاقیات دولیة في الحدود اللازمة لتحقیق أهدافها
  • المشاركة في خلق قواعد القانون الدولي عن طریق إتّخاذ لوائح على شكل قرارات ملزمة أو توصیات تساهم بموجبها في تكوین قواعد عرفیة دولیة
  • حق تحریك دعوى المسؤولیة الدولیة لتوفیر الحمایة الوظیفیة لموظفیها
  • حق التقاضي أمام القضاء
  • حق التمتع بالحصانات والامتیازات لمقرّ اتها وموظفیها في مواجهة الدول الأعضاء
الأعمال الصادرة عن المنظمات الدولیة

تتّخذ المنظمات الدولیة عدّة تصرفات لممارسة مهامها، وتكشف هذه التصرفات عن إكتسابها حقا بالشخصیة القانونیة الدولیة التي تساهم بفضلها في خلق قاعدة القانون الدولي.

كما یثبت ذلك تمتّعها بإرادة ذاتیة تواجه بها الدول، وتصدر هذه التصرفات على شكل لوائح (Résolutions)

وتتّخذ عدّة صور تختلف فیما بینها في القیمة القانونیة، وتشمل هذه الصور ما یلي:

التوصیة:

لیست لها الصلاحیات الذاتیة لإنتاج الحقوق أو الالتزامات ولا تتضمن معنى الأمر أو الإلزام بذاتها

ولكنها تتضمن مجرد نصیحة أو دعوة الدول إلى إتباع سلوك معیّن في العلاقات الدولیة

مثل التوصیات الصادرة عن الجمعیة العامة.

ویمكن أن تتحوّل مع مرور الوقت عرف دولي أو یتم تقنینها على شمل إتفاقیات دولیة تصبح ملزمة بعد دخولها حیز التنفیذ

مثل صدور العهدین الدولیین لحقوق الإنسان عن الجمعیة العامة للأمم المتحدة على شكل توصیات.


الإعلان:

وهو أ حد الوسائل القانونیة التي تعبر بها المنظمة عن إرادتها في تأكید بعض المبادئ الأساسیة في مسألة من المسائل الدولیة

كإعلان مبادئ ذا أهمیة بالغة لها صفة الدوام مثل : الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

وهي أیضا لا تتمتع بالقیمة القانونیة الملزمة، بل تهدف إلى دعوة الدول إلى إتباع سلوك معیّن في العلاقات الدولیة.

القرار:

هي الوسیلة التي تعبر بها المنظمة الدولیة عن إرادتها القانونیة، وتتمیز بخصائص فوریة وملزمة ومباشرة

لمن توجهت إلیها بخطابها، وتمتع بالقوة الإلزامیة، وتنتج آثار قانونیة في العلاقات الدولیـة.

ویمكن أن تتّخذ صورة تشریع دولي في حالة ما إذا كانت موجهة لتنظیم مسألة معیّنة

مثل القرارات التي إتخذها المجلس في مجال مكافحة الإرهاب، خاصة القرار رقم 1373 سنة 2001

منظمة الأمم المتحدة نموذجا

تعدّ منظمة الأمم المتحدة نموذجا لكل المنظمات الدولیة، وهذا نظرا لكونها تضم أكبر عدد من الدول الأعضاء في

العالم، وتسعى إلى تحقیق أهداف محددة في میثاقها (الفرع الأول).

وتقوم على مبادئ أساسیة (الفرع الثاني)، وتمارس مهامها عن طریق أجهزتها الرئیسیة والفرعیة (الفرع الثالث).

أهداف هیئة الأمم المتحدة ومقاصدها

تسعى الأمم المتحدة إلى تحقیق العدید من الأهداف السامیة، من أهمها:

فض النزاعات التي قد تشكل خطراً على السلم والأمن الدولییْن، ومنع استخدام القوة، وتحقیق السلام العادل بین دول العالم .

وقد جاء ذكر مقاصد الأمم المتحدة في أماكن متعددة من المیثاق على النحو التالي:

أولا: حفظ السلم والأمن الدولییْن:

ورد هذا المقصد في العدید من الفقرات في المیثاق، لما له من أهمیة خاصة حیث تنص الفقرة الأولى من المادة 1 من المیثاق على ما یلي:

” مقاصد الأمم المتحدة هي حفظ السلم والأمن الدولي وتحقیقا لهذه الغایة تتخذ الهیئة التدابیر المشتركة الفعالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم ولإزالتها

وتقمع أعمال العدوان وغیرها من وجوه الإخلال بالسلم، وتتذرع بالوسائل السلمیة، وفقا لمبادئ العدل والقانون الدولي

لحل المنازعات الدولیة التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو لتسویتها أسندت هذه المهام أساسا لمجلس الأمن”

حیث تنص الفقرتین الأولى والثانیة من المادة  24من المیثاق على أعضاء الهیئة تعهد إلى مجلس الأمن بالتبعات الرئیسیة في أمر حفظ السلم والأمن الدولي

ویوافقون على أن هذا المجلس یعمل نائبا عنهم في قیامه بواجباته التي تفرضها علیه هذه التبعات، وذلك من أجل أن یكون العمل الذي تقوم به “الأمم المتحدة” سریعا فعالا.

ویعمل مجلس الأمن في أداء هذه الواجبات وفقا لمقاصد “الأمم المتحدة” ومبادئها والسلطات الخاصة المخولة له

لتمكینه من القیام بهذه الواجبات مبینة في الفصول السادس والسابع والثامن والثاني عشر

إضافة إلى ذلك، إعترف المیثاق للجمعیة العامة بإختصاص النظر في المسائل المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدولیین.

وأن تناقش أیة مسألة یكون لها صلة بحفظ السلم والأمن الدولي یرفعها إلیها أي عضو من أعضاء “الأمم المتحدة” ومجلس الأمن أو دولة لیست من أعضائها

تقدم من أجل ذلك توصیاتها بصدد هذه المسائل للدولة أو الدول صاحبة الشأن أو لمجلس الأمن أو لكلیهما معا.

ثانیا: تنمیة العلاقات الودیة بین الدول:

ورد هذا المقصد الفقرة الثانیة من المادة الأولى من المیثاق، والتي تنص على أنّ إنماء العلاقات الودیة بین الأمم

مبني على أساس احترام المبدأ الذي یقضي بالتسویة في الحقوق بین الشعوب، وبأن یكون لكل منها تقریر مصیرها، وكذلك اتخاذ التدابیر الأخرى الملائمة لتعزیز السلم العام.

ثالثا: تحقیق التعاون الدولي في الشؤون الاقتصادیة والاجتماعیة:

ورد هذا المقصد في الفقرة الثالثة من المادة  1 من المیثاق، وفیه تسعى منظمة الأمم المتحدة إلى تحقیق التعاون

الدولي على حل المسائل الدولیة ذات الصبغة الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة والإنسانیة وعلى تعزیز احترام حقوق الإنسان والحریات الأساسیة للناس جمیعا

والتشجیع على ذلك إطلاقا بلا تمییز بسبب الجنس أو اللغة أو الدین ولا تفریق بین الرجال والنساء

وهي المقاصد التي تسعى المنظمة إلى تجسیدها من خلال التعاون مع الدول وفقا لما تقضي به المادة55من المیثاق.

نظرا لكون هذا الهدف ذات أهمیة كبیرة في المنظمة، كلّف المیثاق عدّة أجهزة لحل المشاكل ذات الطابع الإقتصادي والإجتماعي والثقافي والإنساني،

ومن بینها المجلس الإقتصادي والإجتماعي، حیث یقوم هذا الجهاز بدراسات، ویضع تقاریر عن المسائل الدولیة في أمور الاقتصاد والاجتماع والثقافة والتعلیم والصحة

وما یتصل بها، كما أن له أن یوجه إلى مثل تلك الدراسات وإلى وضع مثل تلك التقاریر.

یجوز للمجلس أن یقدم توصیاته في أیة مسألة من المسائل المذكورة إلى الجمعیة العامة وإلى أعضاء “الأمم المتحدة” والوكالات المتخصصة ذات الشأن

بما فیها مسائل احترام حقوق الإنسان ومراعاتها، كما له أن یعد مشروعات اتفاقات لتعرض على الجمعیة العامة عن

المسائل التي تدخل في دائرة اختصاصه أو یدعو إلى عقد مؤتمرات دولیة لدراسة المسائل التي تدخل في دائرة اختصاصه.

رابعا: اتخاذ هیئة الأمم المتحدة مرجعاً لتنسیق أعمال الدول الأعضاء، وتوجیهها نحو إدراك الغایات المشتركة:

ورد هذا المقصد في الفقرة الرابعة من المادة  1من المیثاق، وفیه تسعى منظمة الأمم المتحدة إلى جعل هذه الهیئة مرجعا لتنسیق أعمال الأمم وتوجیهها نحو إدراك الغایات المشتركة.

والمقصود من هذه المرجعیة هو تحقیق التعاون بین الدول والمنظمات، والتنسیق بینها، حتى لا یكون ثمة تضارب وتنافر فیما بینها

وبالتالي جعل” الأمم المتحدة” بمثابة المحور الذي تدور حوله أوجه النشاطات المختلفة في مجال العلاقات الدولیة بهدف تحقیق التوافق الدولي بین الدول.

مبادئ هیئة الأمم المتحدة

تقوم هیئة الأمم المتحدة على عدد من المبادئ الهامة والمذكورة في المیثاق، وتلتزم بها كل من الهیئة والدول الأعضاء في علاقاتها بعضها ببعض.

حیث یقدم جمیع الأعضاء كل ما في وسعهم من عون إلى “الأمم المتحدة” في أي عمل تتخذه من أجل إحترام هذه المبادئ

كما یمتنعون عن مساعدة أیة دولة تتخذ إزاءها عملا من أعمال المنع أو القمع في حالة مساسها بهذه المبادئ.

وكذلك تلتزم الدول غیر الأعضاء فیها بإحترام هذه المبادئ بقدر ما تقتضیه ضرورة حفظ السلم والأمن الدولي لكونها

من القواعد الآمرة في القانون الدولي وتحافظ على النظام العام الدولي وهي تتمثّل فیما یلي:

أولا: مبدأ المساواة في السیادة :

ورد هذا المبدأ في الفقرة الأولى من المادة  2من أحكام المیثاق، ویقصد به مساواة الدول قانونا فیما بینها

حیث لا تمیّز المنظمة بین الدول في الحقوق والواجبات تبعا لعدد سكانها أو لمساحتها الجغرافیة

أو لقوتها الإقتصادیة والعسكریة في العلاقات الدولیة ویترتب عن هذا المبدأ:

  • مساواة الدول في الحقوق والالتزمات التي یرتبها القانون الدولي
  • ضمان السلامة الإقلیمیة والاستقلال السیاسي لكل الدول مهما كانت قوتها الاقتصادیة ووضعها الجغرافي والسكاني
  • لكل الدول الحق في إختیار نظامها السیاسي، والاقتصادي والاجتماعي والثقافي بناءً على ذلك، تُعَدّ كل الدول الأعضاء سواسیة أمام القانون الدولي

إذ تطبق علیها قواعد قانونیة واحدة دون أن یعني ذلك أنّها متساویة في مركزها الداخلي في الهیئة

فهناك بعض الدول، هي الدول الخمس الكبرى الدائمة العضویة، تتمتع بحقوق لا تتمتع بها سائر الدول الأعضاء الأخرى

ثانیا: مبدأ حسن النیة في أداء الالتزامات الدولیة:

یُعد مبدأ حسن النیة في تنفیذ الالتزامات والاتفاقات الدولیة من أهم مبادئ الأمم المتحدة؛ إذ نصت المادة  2الفقرة  2من المیثاق على أنه

“لكي یكفل أعضاء الهیئة لأنفسهم جمیعاً الحقوق والمزایا المترتبة على صفة العضویة، یقومون في حسن نیة بالالتزامات التي أخذوها على أنفسهم بهذا المیثاق”.

كما جسد هذا المبدأ في مختلف المعاهدات الدولیة، منها معاهدة فیینا لسنة ،1969 حیث تنص المادة 26 منها على

إلتزام الدول باتخاذ كل الإجراءات العامة والخاصة لتنفیذ المعاهدات الدولیة وكذا إمتناعها عن إتخاذ إجراءات من شأنها أن تفسد غرض وهدف المعاهدة

بالتالي تبقى الدولة ملتزمة بكل الالتزامات الدولیة المنبثقة عن المعاهدات التي تعقدها وتصادق علیها مهما طرأ من تغییر على رأس السلطة في الدولة

وتترتب عن هذا المبدأ مبادئ أخرى هي مبدأ الوفاء بالعهد Pacta sunt servanda ومبدأ سمو الالتزامات الدولیة على القانون الداخلي.

ثالثا: مبدأ حل النزاعات الدولیة بالطرق السلمیة:

یعدّ هذا المبدأ من المبادئ الأساسیة التي تقوم علیها العلاقات الدولیة داخل منظمة الأمم المتحدة حیث كرّس خلال

مؤتمري لاهاي لسنتي 1899 و 1907 لتؤكّد علیه عصبة الأمم وثمّ منظمة الأمم المتحدة.

وورد في الفقرة الثالثة من المادة 2من میثاقها، والتي تنص على إلتزام الدول أعضاء الهیئة بفض جمیع منازعاتهم

الدولیة بالوسائل السلمیة على وجه لا یجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر بناءً على ذلك،

وضع المیثاق عدّة أحكام لحل النزاعات الدولیة بطریقة سلمیة، وخصّ ص الفصل السادس منه من أجل ذلك، وكلّف

بهذه المهام مجلس الأمن، إلى جانب الجمعیة العامة، للعب دور محوري في الحفاظ على السلم والأمن الدولیین عن طریق حلّ النزاعات الدولیة حلا سلمیا.

نتیجة لذلك، یجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن یعرض حفظ السلم والأمن الدولي للخطر أن یلتمسوا

حله بادئ ذي بدء بطریق المفاوضة والتحقیق والوساطة والتوفیق والتحكیم والتسویة القضائیة.

أو أن یلجئوا إلى الوكالات والتنظیمات الإقلیمیة أو غیرها من الوسائل السلمیة التي یقع علیها اختیارها، كما یمكن

لمجلس الأمن أن یدعو أطراف النزاع إلى أن یسووا ما بینهم من النزاع بتلك الطرق إذا رأى ضرورة ذلك.

رابعا: مبدأ منع استخدام القوة أو التهدید بها في العلاقات الدولیة:

ورد هذا المبدأ في الفقرة الرابعة من المادة 2من المیثاق، حیث تلزم الدول أعضاء الهیئة جمیعا في علاقاتهم الدولیة

بالإمتناع عن التهدید باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السیاسي لأیة دولة أو على أي وجه آخر لا یتفق ومقاصد “الأمم المتحدة”

نلاحظ من خلال المبدأ أن المیثاق لم یكتفي بمنع الحرب في العلاقات الدولیة، بل منع أیضا إستخدام القوة أو التهدید

باستخدامها، والقوة أوسع نطاقا من الحرب، حیث تشمل كل صور العنف أو ما یعرف بالعدوان غیر المباشر.

وهو ما أقرت به التوصیة رقم 3314الصادرة من الجمعیة العامة سنة ،1974والتي تنص على أنّ العدوان یقصد به

إستخدام أو التهدید باستخدام دولة للقوة المسلحة ضد دولة أخرى بشكل لا یتفق مع میثاق الأمم المتحدة، ویمكن أن یشمل ذلك حتى إستعمال الضغوط الاقتصادیة والسیاسیة في العلاقات الدولیة.

وردت عن هذا المبدأ بعض الإستثناءات على سبیل الحصر، والتي تسمح بإستخدام القوة وفقا لشروط محدّدة، وتتمثل هذه الحالات فیما یلي:

أ-قیام مجلس الأمن بإتخاذ تدابیر قمعیة من أجل الحفاظ على الأمن والسلم الدولیین:

هي حالة واردة في أحكام الفصل السابع من میثاق منظمة الأمم المتحدة، ویتّخذ المجلس هذه التدابیر القمعیة في إطار الفصل السابع من الميثاق

وذلك في حالة ما إذا وقع تهدید للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملا من أعمال العدوان.

وبموجب المادة 39منه یقرر ما یجب إتّخاذه ویقدم في ذلك توصیاته أو یقرر ما یجب اتخاذه من التدابیر طبقا لأحكام المادتین 41و 42

لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه، ویقرّر هذه التدابیر حتى ولو تعلّق الأمر بنزاع داخلي

یلجأ مجلس الأمن في هذه المرحلة إلى دعوة المجتمع الدولي وخاصة الدول المرتبكة لأعمال تهدّد السلم والأمن

الدولیین أو تمسّ بهما إلى إتخاذ تدابیر مؤقتة لإعادة السلم والأمن الدولیین إلى نصابهما.

وفي حالة رفضها تنفیذ هذه التدابیر یقرّر ضدّها جزاءات غیر عسكریة،

وإذا إستمر الوضع یجوز له إتّخاذ جزاءات عسكریة عن طریق إستعمال القوة المسلحة ضدّها.

أ- في حالة الدفاع الشرعي:

هي حالة واردة في المادة 51 من المیثاق، الدفاع الشرعي حق طبیعي تمارسه الدولة عند تعرّضها لعدوان مسلح

والتي تنص صراحة على أنّ أحكام المیثاق لا تضعف أو تنتقص الحق الطبیعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع

عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء “الأمم المتحدة”.

وذلك إلى أن یتخذ مجلس الأمن التدابیر اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، وتبلغ التدابیر التي اتخذها الأعضاء استعمالا لحق الدفاع عن النفس إلى المجلس فورا

ولا تؤثر هذه الأخیرة بأي حال فیما للمجلس -بمقتضى سلطته ومسؤولیاته المستمدة من أحكام هذا المیثاق- من الحق

في أن یتخذ في أي وقت ما یرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه.

وعلیه یعدّ الدفاع الشرعي عملا مشروعا یعفي الدولة من المساءلة دولیاً ، إستنادً ا للمادة 51 من المیثاق

ولكن بشرط أن تتوفّر فیه كل الشروط التي یحدّدها القانون الدولي لهذا الغرض.

وتتمثّل هذه الشروط في أن یكون الدفاع الوسیلة الوحیدة لصد العدوان، وأن یتم توجیهه إلى مصدر العدوان، وأن یتّسم بصفة مؤقتة وأن یكون متناسبا مع فعل العدوان.

وأن یكون كآخر وسیلة تلجئ إلیها الدول ولیس وسیلة لقمع الدولة المعتدیة

وهي الشروط التي لا تتوفّر في الدفاع الشرعي الوقائي الذي تتّدعي به الولایات المتحدة الأمریكیة في غزوها للعراق سنة 2003

ج- الكفاح من أجل نیل الإستقلال:

تستبعد أعمال الحركات الوطنیة التحرریة عن وصف العدوان، لكونها تحمل السلاح من أجل تقریر لمصیرها

طبقا لما هو مكرّس في القانون الدولي أورد المیثاق إستثناءات على هذا المبدأ.

إذ تجعل من إستخدام القوة عمل مشروع في القانون الدولي في بعض الحالات، كحمل الشعوب للسلاح من أجل تقریر مصیرها

والمكرس كحق في القرار رقم 2625 سنة 1970 الصادر عن الجمعیة العامة.

خامسا: مبدأ عدم تدخل الأمم المتحدة في الشؤون الداخلیة للدول الأعضاء:

ورد هذا المبدأ في الفقرة السابعة من المادة  2 من المیثاق، والتي تنص على أنّه لیس في هذا المیثاق ما یسوغ “للأمم المتحدة”

أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صمیم السلطان الداخلي لدولة ما ولیس فیه ما یقتضي الأعضاء أن یعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم هذا المیثاق.

على أن هذا المبدأ لا یخل بتطبیق تدابیر القمع الواردة في الفصل السابع یرتبط هذا المبدأ إرتباطا كبیرا

بمبدأ إحترام سیادة الدول وإ ستقلالها والمساواة فیما بینها ولا یقبل الإستثناء عنه إلا في حالة واحدة.

وهي حالة تهدید النزاع الداخلي في دولة معیّنة للسلم والأمن الدولیین،

ولعل أنّ أحدث التطبیقات التي عرفها الإستثناء على هذا المبدأ هو تدخل مجلس الأمن عن طریق إستعمال القوة في أقالیم بعض الدول من أجل تقدیم المساعدات الإنسانیة للمدنیین.

العضویة في منظمة الأمم المتحدة

یجوز للدول الانضمام إلى منظمة الأمم المتحدة بتوفر الشروط الواردة في المادة 4من المیثاق وهي:

  • أن تكون متمتعة بالسیادة
  • أن تكون محبة للسلام وتقبل بالالتزامات التي یتضمنها هذا المیثاق وتكون قادرة على تنفیذها وراغبة فیه

یتّخذ قرار قبول العضویة من قبل الجمعیة العامة بناء على توصیة مجلس الأمن

وتصدر الجمعیة العامة قراراها بأغلبیة ثلثي الأعضاء الحاضرین المشتركین في التصویت

بعدما یوافق مجلس الأمن على ذلك بتوصیة صادرة منه بموافقة تسعة من أعضائه على الأقل.

وتكون أصوات الأعضاء الخمسة الدائمین متفقة أي لا یمارس أحدهم حق الفیتو في كل الأحوال.

یجوز للجمعیة العامة أن توقف أي عضو اتخذ مجلس الأمن قبله عملا من أعمال المنع أو القمع، عن مباشرة حقوق العضویة ومزایاها

ویكون ذلك بناء على توصیة مجلس الأمن ولمجلس الأمن أن یرد لهذا العضو مباشرة تلك الحقوق والمزایا.

كما یجوز للجمعیة العامة أن تفصل أي عضو من الهیئة إذا أمعن في انتهاك مبادئ المیثاق

وتتّخذ قرارها هذا بناءً على توصیة مجلس الأمن في حین لم یشیر المیثاق إلى حالة الإنسحاب من المنظمة.

الأجهزة الرئیسیة للمنظمة الدولیة

أقرّ المیثاق تعدد أجهزة المنظمة الرئیسیة، وهي الجمعیة العامة (أولا)، ومجلس الأمن (ثانیا)

والمجلس الاقتصادي والاجتماعي (ثالثا)، ومجلس الوصایة (رابعا)، والأمانة العامة (خامسا)

ومحكمة العدل الدولیة (سادس)، ویجوز لهذه الأجهزة أن تنشأ ما تراه ضروریا من أجهزة فرعیة.

أولا: الجمعیة العامة

أ- تشكیلة الجمعیة العامة:

تتألف الجمعیة العامة من جمیع أعضاء “الأمم المتحدة”، ولا یجوز أن یكون للعضو الواحد أكثر من خمسة مندوبین في الجمعیة العامة.

وتجتمع في أدوار انعقاد عادیة وفي أدوار انعقاد سنویة خاصة بحسب ما تدعو إلیه الحاجة

ویقوم بالدعوة إلى دورات الانعقاد الخاصة الأمین العام بناء على طلب مجلس الأمن أو أغلبیة أعضاء “الأمم المتحدة، وتساعدها في عملها ستّة لجان رئیسیة.

ب- وظائف الجمعیة وسلطاتها:

تتّخذ الجمعیة العامة توصیات غیر ملزمة، ولها أن تناقش أیة مسألة أو أمر یدخل في نطاق هذا المیثاق أو یتصل بسلطات فرع من الفروع المنصوص علیها فیه أو وظائفه.

كما أن لها في ما عدا ما نص علیه في المادة 12أن توصي أعضاء الهیئة أو مجلس الأمن أو كلیهما بما تراه في تلك المسائل

والأمور بناءً على ذلك، تنظر الجمعیة العامة في المبادئ العامة للتعاون في حفظ السلم والأمن الدولي.

ویدخل في ذلك المبادئ المتعلقة بنزع السلاح وتنظیم التسلیح، كما أن لها أن تقدم توصیاتها بصدد هذه المبادئ إلى الأعضاء أو إلى مجلس الأمن أو إلى كلیهما

إضافة إلى ذلك، یجوز لها أن تناقش أیة مسألة یكون لها صلة بحفظ السلم والأمن الدولي یرفعها إلیها أي عضو من أعضاء “الأمم المتحدة”

ومجلس الأمن أو دولة لیست من أعضائها وفقا لأحكام الفقرة الثانیة من المادة ،35

ولها أن تقدم توصیاتها بصدد هذه المسائل للدولة أو الدول صاحبة الشأن أو لمجلس الأمن أو لكلیهما معا

وكل مسألة مما تقدم ذكره یكون من الضروري فیها القیام بعمل ما، ینبغي أن تحیلها الجمعیة العامة على مجلس الأمن قبل بحثها أو بعده

وأن تسترعي نظره إلى الأحوال التي یحتمل أن تعرض السلم والأمن الدولي للخطر إستثناءأ.

حسب المادة 12من المیثاق، عندما یباشر مجلس الأمن، بصدد نزاع أو موقف ما لوظائفه التي رسمت في المیثاق

فلیس للجمعیة العامة أن تقدم أیة توصیة في شأن هذا النزاع أو الموقف إلا إذا طلب ذلك منها مجلس الأمن.

ج- التصـویت:

حسب المادة 18من المیثاق یكون لكل عضو في “الأمم المتحدة” صوت واحد في الجمعیة العامة وتصدر الجمعیة

العامة قراراتها في المسائل العامة بأغلبیة ثلثي الأعضاء الحاضرین المشتركین في التصویت.

تشمل هذه المسائل التوصیات الخاصة بحفظ السلم والأمن الدولي، وانتخاب أعضاء مجلس الأمن غیر الدائمین

وانتخاب أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وانتخاب أعضاء مجلس الوصایة وفقا لحكم الفقرة الأولى (ج) من المادة ،86وقبول أعضاء جدد في “الأمم المتحدة”

ووقف الأعضاء عن مباشرة حقوق العضویة والتمتع بمزایاها، وفصل الأعضاء، والمسائل المتعلقة بسیر نظام الوصایة والمسائل الخاصة بالمیزانیة.


أما القرارات في المسائل الأخرى -ویدخل في ذلك تحدید طوائف المسائل الإضافیة التي تتطلب في إقرارها أغلبیة 3/2 تصدر بأغلبیة الأعضاء الحاضرین المشتركین في التصویت.

ثانیا: مجلس الأمن

أ- تشكیلة مجلس الأمن:

یتكون مجلس الأمن الدولي من خمسة أعضاء دائمین وهم الصین الشعبیة – وفرنسا واتحاد الجمهوریات الروسیة،

والمملكة المتحدة لبریطانیا العظمى وشمال ایرلندا والولایات المتحدة الأمریكیة.

وتنتخب الجمعیة العامة عشرة أعضاء آخرین غیر دائمین لمدة سنتین یكون لكل عضو مندوب واحد ویؤخذ بعین

الاعتبار مدى مساهمة أعضاء الأمم المتحدة في حفظ السلم والأمن الدولیین وفي مقاصد الهیئة الأخرى.

وكذا یراعا التوزیع الجغرافي للدول، ویتناوب على رئاسة المجلس الأعضاء بصورة دوریة كل شهر، ویعقد المجلس دوراته في مقر المجلس، أو في أي مكان یراه مناسبا.

ب- التصویت:

هنا نمیز بین المسائل الموضوعیة والمسائل الإجرائیة، في المسائل الإجرائیة

فتصدر قرارات المجلس في شأنها بموافقة تسعة من أعضائه على الأقل، أیا كانت الدول المكونة لهذه الأغلبیة.

أما المسائل الموضوعیة فلا تصدر قرارات المجلس في شأنها إلا بموافقة تسعة من الأعضاء على الأقل

ویشترط أن یكون من بینهم أصوات الأعضاء الدائمین متفقة وتستلزم إجماع الدول الخمس الكبرى

وهو ما جرى العمل على تسمیته حق الاعتراض أو الفیتو.

لم یحدد میثاق الأمم المتحدة ما هو متعلق بالموضوع وما هو متعلق بالإجراءات

ویتخذ مجلس الأمن في كل ما هو متعلق بإجراءات صدور القرارات الخاصة بأغلبیة تسعة أعضاء

بصرف النظر عن موافقة أو عدم موافقة أعضاءه، وهي تشمل المسائل الواردة في المواد من -28إلى 32من المیثاق فهي تعد كلها مسائل إجرائیة.

تتمثل هذه المسائل في تمثیل أعضاء المجلس تمثیلا دائما في مقر المنظمة، ووجوب عقد اجتماعات دوریة لمجلس الأمن، وعقد اجتماعات المجلس في غیر المقر.

وإنشاء فروع ثانویة تابعة للمجلس، ووضع لائحة الإجراءات، واشتراك عضو من أعضاء الأمم المتحدة بدون تصویت في مناقشة أي مسالة تعرض على المجلس

إذا كانت مصالح العضو تتأثر بها بصفة خاصة ، ودعوة أیة دولة تكون طرفا في النزاع دون تصویت.

وتقریر إذا كان نزاع أو موقف ما محلا للنقاش في المجلس ، ودعوة الجمعیة العامة للانعقاد طبقا للمادة عشرین

والعلاقة بین الأجهزة الرئیسیة للمنظمة أما غیرها من المسائل فهي موضوعیة.

یصوت المجلس على المسائل الموضوعیة بأغلبیة تسعة أصوات بشرط أن یكون من بینهم أصوات الدول الدائمة العضویة

والاعتراض یرتب عدم التعرض للمسالة مثل الدعوة إلى تعدیل المیثاق وانتخاب قضاة محكمة العدل الدولیة، وتطبیق الحلول السلمیة

والتفرقة بین النزاع والموقف وانتخاب الأمین العام للأمم المتحدة.

ب- اختصاصات المجلس ووظائفه:

یختلف مجلس الأمن عن مجلس العصبة في كون قراراته ملزمة، له إختصاص رئیسي یتمثل في الحفاظ على السلم والأمن الدولیین.

ویمارس هذه المهام، حسب المادة 24من المیثاق، نیابة عن كل الدول الأعضاء في المنظمة، ویلتزم مقابل ذلك بالأهداف والمبادئ الواردة في المیثاق

كما یمارس إختصاصات ثانویة تتعلّق كلها بمعاونة فروع الهیئة على أداء مهامها.

-1الوظائف الأساسیة للمجلس:

في هذا الإطار، یمارس نوعین من الوظائف، وهي تسویة النزاعات الدولیة بالوسائل السلمیة وإتّخاذ التدابیر القمعیة في حالات التهدید أو الإخلال بسلم والأمن الدولیین أو وقوع عدوان.

الوظیفة الأولى: تسویة المنازعات الدولیة بالوسائل السلمیة:

یقوم المجلس بهذه الوظیفة في حالة وجود مواقف أو وقوع نزاعات من شأنها- لو استمرت- یمكن أن تؤدي إلى

تعریض السلم والأمن الدولیین للخطر، ویتم إخطاره من قبل عدّة جهات، وهي الدول الأعضاء أو غیر الأعضاء.

كما یمكن له أن یتدخل من تلقاء نفسه لحل النزاع، في أي مرحلة من مراحل النزاع

وفي كل الحالات، لمجلس الأمن في أیة مرحلة من مراحل نزاع من النوع المشار إلیه في المادة 33 أو موقف شبیه به أن یوصي بما یراه ملائما من الإجراءات وطرق التسویة.

وعلیه أن یراعي ما اتخذه المتنازعون من إجراءات سابقة لحل النزاع القائم بینهم، بما فیها المنازعات القانونیة التي یعرضونها على محكمة العدل الدولیة.

ویقدّم بشأن ذلك توصیاته ویدعو فیها أطراف النزاع إلى أن یسووا ما بینهم من النزاع بتلك الطرق إذا رأى ضرورة

ذلك في حالة ما إذا توصلت أطراف النزاع إلى إتفاق لإحلال السلام.

یمكن لمجلس الأمن أن یستخدم قوات عسكریة لحفظ السلام في هذه المناطق، وذلك لتدعیم هذا الإتفاق وحفاظا على السلام بین الدول  المتنازعة

خاصة إذا عرفت العلاقات بینها توتّر من حین إلى آخر، وتسمى بـ “قوات حفظ السلام”لاختلافها مع القوات المتعددة الجنسیات.

الوظیفة الثاني : اختصاصه في حالات تهدید السلم أو الإخلال به أو وقوع عدوان :

یمارس مجلس الأمن هذا الإختصاص استنادا إلى المادة 39من المیثاق، وذلك في حالة تهدید نزاع معیّن للسلم

والأمن الدولیین أو إخلاله بهما أو وقوع عمل من أعمال العدوان.

ویقدم في ذلك توصیاته أو یقرر ما یجب اتخاذه من التدابیر طبقا لأحكام المادتین 41و 42لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه.

قبل أن یقدّم مجلس الأمن توصیاته في النزاع ویتّخذ التدابیر الواردة في المادتین 41و42من المیثاق.

یدعو المتنازعین للأخذ بما یراه ضروریا أو مستحسنا من تدابیر مؤقتة، ولا تخل هذه التدابیر المؤقتة بحقوق المتنازعین ومطالبهم أو بمركزهم.

تشمل التدابیر القمعیة التي یمكن أن یتّخذها مجلس الأمن والواردة في المادة 41من المیثاق الجزاءات التي لا تتطلب

استخدام القوات المسلحة لتنفیذ قراراته، وله أن یطلب إلى أعضاء “الأمم المتحدة” تطبیق هذه التدابیر.

ویجوز أن یكون من بینها وقف الصلات الاقتصادیة والمواصلات الحدیدیة والبحریة والجویة والبریدیة والبرقیة

واللاسلكیة وغیرها من وسائل المواصلات وقفا جزئیا أو كلیا وقطع العلاقات الدبلوماسیة.

إذا رأى مجلس الأمن أن التدابیر المنصوص علیها في المادة 41من المیثاق لا تفي بالغرض أو ثبت أنها لم تف به.

جاز له أن یتخذ بطریق القوات الجویة والبحریة والبریة من الأعمال ما یلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه.

ویجوز أن تتناول هذه الأعمال المظاهرات والحصر والعملیات الأخرى بطریق القوات الجویة أو البحریة أو البریة

التابعة لأعضاء الأمم المتحدة بناءً على ذلك

یتعهد جمیع أعضاء منظمة “الأمم المتحدة” في سبیل المساهمة في حفظ السلم والأمن الدولي، أن یضعوا تحت تصرف مجلس الأمن بناء على طلبه

وطبقا لاتفاق أو اتفاقات خاصة ما یلزم من القوات المسلحة والمساعدات والتسهیلات الضروریة من أجل إستخدام

القوة العسكریة المقرّرة ضدّ الدول التي تمس بالسلم والأمن الدولیین.

وینفذّ عملیاته بمساعدة لجنة أركان الحرب إضافة إلى ذلك، یجوز لمجلس الأمن أن یستخدم التنظیمات والوكالات الإقلیمیة في أعمال القمع.

كلما رأى ذلك ملائما، ویكون عملها حینئذ تحت مراقبته وإ شرافه، وهذه التنظیمات والوكالات لا یجوز لها لقیام بأي

عمل من أعمال القمع بغیر إذن المجلس، ویستثنى مما تقدم التدابیر التي تتخذ ضد أیة دولة من دول المرتكبة للعدوان.

الوظائف الثانویة:

معاونة فروع الهیئة على أداء مهامها ینفرد مجلس الأمن بإصدار توصیات إلى الجمعیة العامة في بعض المسائل التي لا یجوز لها أن تنظر فیها إلا بإجازته.

كما یجوز لها أن تفصل فیها إلا وفق التوصیة التي یصدرها لها في هذا الشـأن وقد حدد المیثاق هذه المسائل على سبیل الحصر وهي :

  • التوصیة بقبول الأعضاء الجدد في هیئة الأمم
  • التوصیة بإیقاف عضو ما
  • التوصیة بفصل عضو ما
  • التوصیة بانتخاب الأمین العام
  • انتخاب قضاة محكمة العدل الدولیة بالاشتراك مع الجمعیة العامة
  • القیام بالاشتراك مع الجمعیة العامة بتحدید الشروط التي تبیح لدولة لیست عضوا في الأمم المتحدة الانضمام إلى النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولیة ویحدد المجلس الشروط التي یجوز بموجبها لسائر الدول الأخرى أن تتقاضى أمام المحكمة من النظام الأساسي، وله أن یقدم توصیاته أو یصدر قراراته بالتدابیر التي یجب اتخاذها لتنفیذ أحكام المحكمة عند امتناع احد المتقاضین عن القیام بما یفرضه علیه حكم تصدره المحكمة.
  • القیام بوظائف هیئة الأمم التي وردت في المادة 83من المیثاق حول المناطق الإستراتیجیة
  • الموافقة بالاشتراك مع الجمعیة العامة على تعدیل المیثاق
  • وضع خطط لتنظیم التسلح وعرضها على الدول الأعضاء

ثالثا: المجلس الاقتصادي والاجتماعي

یتألف المجلس الاقتصادي والاجتماعي من أربعة وخمسین عضوا من الأمم المتحدة تنتخبهم الجمعیة العامة ویكون لكل عضو من أعضائه مندوب واحد.

ویكون لكل عضو صوت واحد وتصدر قراراته بأغلبیة أعضائه الحاضرین المشتركین في التصویت

ویجتمع كلما دعت الحاجة إلى ذلك وبناء على طلب یقدم من أغلبیة أعضائه.

للمجلس الاقتصادي والاجتماعي أن یقوم بدراسات ویضع تقاریر عن المسائل الدولیة في أمور الاقتصاد والاجتماع والثقافة والتعلیم والصحة وما یتصل بها

كما له أن یوجه إلى مثل تلك الدراسات وإلى وضع مثل تلك التقاریر.

وله أن یقدم توصیاته في أیة مسألة من تلك المسائل إلى الجمعیة العامة وإلى أعضاء “الأمم المتحدة” وإ لى الوكالات المتخصصة ذات الشأن.

وفي هذا الإطار، یجوز له أن یقدم توصیات فیما یختص بإشاعة احترام حقوق الإنسان والحریات الأساسیة ومراعاتها.

وأن یعد مشروعات اتفاقات لتعرض على الجمعیة العامة عن المسائل التي تدخل في دائرة اختصاصه

وله أیضا أن یدعو إلى عقد مؤتمرات دولیة لدراسة المسائل التي تدخل في دائرة اختصاصه، وفقا للقواعد التي تضعها “الأمم المتحدة.

إضافة إلى ذلك، یتخذ الخطوات المناسبة للحصول بانتظام على تقاریر من الوكالات المتخصصة

ویبلغ الجمعیة العامة ملاحظاته على هذه التقاریر، كما یمد مجلس الأمن بما یلزم من المعلومات

ویقوم بتنفیذ توصیات الجمعیة العامة بالوظائف التي تدخل في اختصاصه وبالوظائف الأخرى التي قد تعهد بها إلیه هذه الجمعیة.

لهذا الغرض، ینشئ المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجانا للشؤون الاقتصادیة والاجتماعیة

ولتعزیز حقوق الإنسان، كما ینشئ غیر ذلك من اللجان التي قد یحتاج إلیها لتأدیة وظائفه.

ویجوز له أیضا عند مناقشة هذه المسائل أن یدعو أي عضو من “الأمم المتحدة” للاشتراك في مداولاته أویتّخذ

الترتیبات المناسبة للتشاور مع الهیئات غیر الحكومیة التي تعني بالمسائل الداخلة في اختصاصه

وهذه الترتیبات قد یجریها مع هیئات دولیة أو هیئات أهلیة وبعد التشاور مع عضو “الأمم المتحدة” ذي الشأن.

رابعا: مجلس الوصایة

یتألف مجلس الوصایة من أعضاء “الأمم المتحدة” الذین یتولون إدارة أقالیم مشمولة بالوصایـة ومن كل أعضاء مجلس الأمن الذین لا یتولون إدارة أقالیم مشمولة بالوصایة

وأعضاء آخرین تنتخبهم الجمعیة العامة لمدة ثلاث سنوات.

ویعین كل عضو من أعضاء مجلس الوصایة من یراه أهلا بوجه خاص لتمثیله في هذا المجلس

یكون لكل عضو صوت واحد وتصدر قراراته بأغلبیة الأعضاء الحاضرین المشتركین في التصویت.

یجتمع مجلس الوصایة كلما دعت الحاجة لذلك وبناء على طلب یقدم من أغلبیة أعضائه

ویستعین كلما كان ذلك مناسبا، بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي وبالوكالات المتخصصة في كل ما یختص به كل منها من الشؤون.

لكل من الجمعیة العامة ومجلس الوصایة، عاملا تحت إشرافها، وهما یقومان بأداء وظائفهما.

  • أن ینظر في التقاریر التي ترفعها السلطة القائمة بالإدارة،
  • أن یقبل العرائض ویفحصها بالتشاور مع السلطة القائمة بالإدارة،
  • أن ینظم زیارات دوریة للأقالیم المشمولة بالوصایة في أوقات یتفق علیها مع السلطة القائمة بالإدارة،
  • أن یتخذ هذه التدابیر وغیرها، وفقا للشروط المبینة في اتفاقات الوصایة.

ویضع مجلس الوصایة طائفة من الأسئلة عن تقدم سكان كل إقلیم مشمول بالوصایة في الشؤون السیاسیة والاقتصادیة والاجتماعیة والتعلیمیة.

وتقدم السلطة القائمة بالإدارة في كل إقلیم مشمول بالوصایة داخل اختصاص الجمعیة العامة تقریرا سنویا للجمعیة العامة موضوعا على أساس هذه الأسئلة.

خامسا: الأمـانة العامة

تشمل أمینا عاما ومن تحتاجهم الهیئة من الموظفین، وتعین الجمعیة العامة الأمین العام بناء على توصیة مجلس الأمن

والأمین العام هو الموظف الإداري الأكبر في الهیئة.

یعین الأمین العام موظفي الأمانة طبقا للوائح التي تضعها الجمعیة العامة، ویعین للمجلس الاقتصادي والاجتماعي ولمجلس الوصایة ما یكفیهما من الموظفین على وجه دائم.

ویعین لغیرهما من فروع “الأمم المتحدة” الأخرى ما هي بحاجة إلیه منهم.

وینبغي في استخدام الموظفین وفي تحدید شروط خدمتهم أن یراعى في المكان الأول ضرورة الحصول على أعلى

مستوى من المقدرة والكفایة والنزاهة كما یراعى في اختیارهم التوزیع الجغرافي للدول.

یتولى الأمین العام أعماله بصفته هذه في كل اجتماعات الجمعیة العامة، ومجلس الأمن، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومجلس الوصایة.

ویقوم بالوظائف الأخرى التي توكلها إلیه هذه الفروع، ویعد تقریرا سنویا للجمعیة العامة بأعمال الهیئة

وله أن ینبه مجلس الأمن إلى أیة مسألة یرى أنها قد تهدد حفظ السلم والأمن الدولي.

بناءً على ذلك، لا یمارس الأمین العام الإختصاصات ذات الطابع السیاسي إلا بتفویض من الأجهزة الأخرى للمنظمة، خاصة مجلس الأمن والجمعیة العام.

وهذا على عكس الإختصاصات التنفیذیة المخولة له صراحة بموجب أحكام المیثاق.

سادسا: محكمة العدل الدولیة

التعریف بالمحكمة:

تعدّ محكمة العدل الدولیة الجهاز القضائي لمنظمة الأمم المتحدة، وأحد أهم الأجهزة الرئیسیة فیها وتبرز أهمیتها في

أنها الأداة القضائیة للمنظمة، حیث تنص المادة92من میثاق المنظمة على ما یلي:

“ویُعد أعضاء “الأمم المتحدة”، بحكم عضویتهم في الهیئة، أطرافاً رئیسیة في النظام الأساسي للمحكمة.

ویجوز للدول غیر الأعضاء في الأمم المتحدة الانضمام إلى محكمة العدل الدولیة طبقا للشروط التي تحددها الجمعیة

العامة، وطبقاً لظروف كل حالة على حدة، وبناءً على توصیة مجلس الأمن”.

كما تنص المادتین 93و 94من المیثاق على أنه یجب على كل عضو من أعضاء الأمم المتحدة أن یقبل، وینفذ حكم محكمة العدل الدولیة في أي قضیة یكون طرفاً فیها

ب- تشكیلة محكمة العدل الدولیة:

تتشكل هیئة المحكمة من 15قاضیاً مستقلاً، وتقوم الجمعیة العامة بانتخابهم من بین الأشخاص المتمتعین بأخلاق حمیدة،

والحائزین على درجات أكادیمیة في القانون، تؤهلهم للتعیین في أعلى المناصب القضائیة أو من بین المشرعین ورجال القانون المشهود لهم بالكفاءة في القانون الدولي.

ویكون اختیار القضاة بغض النظر عن جنسیاتهم، ولا یجوز أن یكون ثمة أكثر من قاضٍ واحد، من دولة واحدة، أعضاء في المحكمة في وقت واحد.

وفقاً للفقرة الأولى من المادة  3من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولیة تقدر مدة العضویة في محكمة العدل الدولیة بتسع سنوات.

ویجوز التجدید بالانتخاب، حیث تنتهي ولایة خمسة قضاة بعد ثلاث سنوات من انتخابهم، ثم تنتهي عضویة خمسة قضاة آخرین بعد ست سنوات

وفقاً للفقرتین الأولى والثانیة من المادة 13من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولیة.

ولا یجوز لقضاة محكمة العدل الدولیة شغل أي مناصب إداریة أو سیاسیة أو أي وظائف عامة في بلدانهم.

كما أنه لا یجوز لهم الاشتراك في فصل أي قضیة سبق لهم القیام بدور في إجراءاتها

قبل انتخابهم قضاة في محكمة العدل الدولیة، وذلك حفاظا على إستقلالیة المحكمة

ج- المتقاضون أمام المحكمة:

وفقاً للفقرة الأولى من المادة 34 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولیة، فإن للدول وحدها الحق في أن تتقاضى أمام المحكمة.

ویُعد جمیع الأعضاء في هیئة الأمم المتحدة أطرافاً في النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولیة بحكم عضویتهم في الهیئة

إلا أنه وفقاً للفقرة الثانیة من المادة 93من المیثاق یجوز لدولة لیست من الأمم المتحدة أن تنضم إلى النظام الأساسي

لمحكمة العدل الدولیة بشروط تحددها الجمعیة العامة لكل حالة بناءً على توصیة مجلس الأمن”.

كما أن الدول، التي لا تتمتع بعضویة الأمم المتحدة، ولا تشترك في النظام الأساسي للمحكمة، یجوز لها أن تتقاضى أمام المحكمة، وفقاً للشروط التي یحددها مجلس الأمن

وعلیه، تقتصر أهلیة التقاضي أمام المحكمة على الدول ذات سیادة والمنظمات الدولیة فیما یتعلق بطلب تقدیم آراء إستشاریة حول المسائل المرتبطة تفسیر قواعد القانون الدولي.

أما الأفراد فلا یجوز لهم المثول أمام محكمة العدل الدولیة، وتتم حمایة مصالحهم وفقاً لقواعد الحمایة الدبلوماسیة وبواسطة دولهم.

د- اختصاصات محكمة العدل الدولیة:

تنص الفقرة الأولى من المادة 36من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولیة على أنّه “تشمل ولایة المحكمة جمیع القضایا التي یعرضها علیها المتقاضون.

كما تشمل جمیع المسائل المنصوص علیها بصفة خاصة في میثاق الأمم المتحدة، أو في المعاهدات والاتفاقات المعمول بها وعلیه

تنظر المحكمة، وفقاً لهذا النص، في النزاعات التي یعرضها علیها المتقاضون من الدول.

كما تشمل أیضا تقدیم آراء إستشاریة حول جمیع المسائل المنصوص علیها في المیثاق أو المعاهدات والاتفاقیات التي تعقدها الدول فیما بینها.

وهي من المهام الأساسیة المخولة لها بموجب میثاق منظمة الأمم المتحدة فیما یتعلق بوظیفة التسویة القضائیة، للمحكمة نوعان من الاختصاصات:

1ـ الاختصاص الاختیاري للمحكمة:

مبدئیا ینعقد إختصاص المحكمة برضى الأطراف المتنازعة بعرض هذا النزاع علیها للفصل فیه، فإذا رفضت أحد الأطراف المتنازعة عرض النزاع على المحكمة

فلا ینعقد إختصاص المحكمة ویثبت ذلك أنّ القضاء الدولي یخضع في ممارسته لإختصاصاته لسیادة الدول ورضاها

2ـ الاختصاص الإلزامي للمحكمة:

ینعقد هذا الاختصاص، وفقا للفقرة الثانیة من المادة 36من النظام الأساسي، في حالة من الحالات الآتیة:

وجود اتفاقیات عامة بین الطرفین محل النزاع، وتتطلب تحدیداً أو تفسیراً، یقتضي عرضها على محكمة العدل الدولیة لإبداء الرأي.

2ـ قبول الولایة الإلزامیة من قِبَل الأطراف المعنیة لمحكمة العدل الدولیة، وذلك وفقاً للنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولیة الذي یعطي للدول الأعضاء الحق بإقرار المحكمة على ولایتها الجبریة في نظر جمیع المنازعات القانونیة التي تنشأ بینها، وبین دولة تقبل الالتزام نفسه في المسائل القانونیة

وتتضمن هذه المسائل تفسیر المعاهدات، أو التحقیق في واقعة من وقائع تتعلق بخرق التزام دولي، أو قضایا التعویضات المترتبة على وقائع الخرق تتمیز التسویة القضائیة التي تقوم بها المحكمة لأي نزاع دولي بإلزامیة الحلول التي تتوصّل إلیها.

وتختلف عن الإجراءات الدبلوماسیة لحل النزاعات، والتي تشمل المفاوضات، والمساعي الحمیدة والوساطة، أو إنشاء أجهزة خاصة للتحقیق والتوفیق.

حیث تتمیز التسویة القضائیة للنزاعات بإلزامیة قراراتها وحلولها لجمیع الأطراف المتنازعة

وكما تتضمن إجراء مداولات ومناقشات على أساس قانوني لتأكید العدالة بین الأطراف المتنازعة

تتّخذ المحكمة أحكامها في النزاعات الدولیة بین الدول وفقا لما یقضي به قواعد القانون الدولي.

هـ- حكم محكمة العدل الدولیة:

تفصل محكمة العدل الدولیـة في القضایا التي تُرفع إلیها وفقاً لأحكام القانون الدولي المذكورة في المادة 38من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولیة.

ولا تبدأ المحكمة في الفصل في القضایا حتى ترفع هذه القضایا إلیها بمقتضى الاتفاق بین الأطراف المتنازعة

أو بمقتضى طلب كتابي من هذه الأطراف طبقاً لنص المادة 40 من النظام الأساسي التي تنص على ما یلي: “

  • ترفع القضایا إلى المحكمة بحسب الأحوال، إما بإعلان الاتفاق الخاص، وإ ما بطلب كتابي یرسل إلى المسجل، وفي كلتا الحالتین یجب تعیین موضوع النزاع، وبیان المتنازعین.
  • یعلن المسجل هذا الطلب فوراً إلى ذوي الشأن.
  • ویخطر به أیضاً أعضاء “الأمم المتحدة” على ید الأمین العام، كما تخطر به أیة دولة أخرى لها وجه في الحضور أمام المحكمة.”.

ومباشرة بعد رفع النزاع إلى المحكمة وانعقاد إختصاصها، للمحكمة الحق في اتخاذ تدابیر مؤقتة لحفظ حق الأطراف حتى یُفصَل في النزاع، على نحو ما نصت علیه المادة 41من النظام الأساسي تصدر المحكمة أحكامها النهائیة بأغلبیة القضاة الحاضرین.

أما إذا تساوت أصوات القضاة، فإن صوت الرئیس أو من یقوم مقامه هو المرجح، طبقاً للمادة 55من النظام الأساسي.

ویجب أن یلحق بالحكم الأسباب التي بُني علیها وأسماء القضاة الذین اشتركوا في إصدار هذا الحكم وفقاً للمادة 56من النظام الأساسي.

وإذا لم یكن حكم المحكمة صادراً بإجماع القضاة، فمن حق كل قاض اشترك في القضاء أن یصدر بیاناً یتضمن رأیه الخاص، وقد یكون هذا الرأي موافقاً أو معارضاً للحكم النهائي، وذلك طبقاً للمادة 57من النظام الأساسي.

و- تنفیذ حكم محكمة العدل الدولیة:

تُعد أحكام محكمة العدل الدولیة نهائیة، وغیر قابلة للاستئناف، وتسري على جمیع أطـراف النـزاع، كما ورد في المادتین  59و 60من النظام الأساسي.

ویسـتثنى من هذا ما نصـت علیه الفقرات الأولى والثانیة من المادة  61من النظام الأساسي في شأن إعادة النظر في الأحكام الصادرة من قبل محكمة العدل الدولیة

ویكون ذلك قبل السیر في إجراءات إعادة النظر، كما دلت المادة 61الفقرة 3من النظام الأساسي.

ومن الشروط الواجب توفرها في التماس إعادة النظر، أن یقدم خلال ستة أشهر من تكشف الواقعة الجدیدة التي تؤثر في الحكم

على أن یكون إعادة النظر بعد انقضاء عشر سنوات من تاریخ الحكم كما نصت علیه الفقرتین الرابعة والخامسة من المادة 61من النظام الأساسي.

إضافة إلى ذلك، نصت المادة 94من المیثاق على أن یتعهد كل عضو من أعضاء الأمم المتحدة أن ینزل على حكم محكمة العدل الدولیة في أیة قضیة یكون طرفاً فیها.

و إذا امتنع أحد المتقاضین في قضیة ما عن القیام بما یفرضه علیه حكم تصدره المحكمة، فللطرف الآخر أن یلجأ إلى مجلس الأمـن.

ولهذا إذا رأى أیة ضرورة لذلك، أن یقدم توصیاته أو یصدر قراراً بالتدابیر التي یجب اتخاذها لتنفیذ الحكم
یفهم من خلال ما ورد في نص المادة المذكور أعلاه أنّ محكمة العدل الدولیة.

یجوز لها أن تستنجد بمجلس الأمن، والذي یتمتع بسلطات قمعیة، لقمع الدول التي ترفض تنفیذ أحكامها، إذ تقوم بعرض المسألة علیه.

وهو یتّخذ ما یراه مناسبا لإرغام هذه الدول على إحترام أحكامها وهو ما یدفع إلى القول بأن وظیفة المحكمة تنتهي بصدور الحكم النهائي.

وبأنّ تنفیذه یكون من إختصاص المجلس في حالة عدم إلتزام الدول بذلك إضافة إلى ذلك، سیؤدي التخلي عن أمر عدم تنفیذ أحكام محكمة العدل الدولیة لتقدیر مجلس الأمن إلى عدم إتخاذ أیة تدابیر ضد الدول الأعضاء الدائمین فیه أو ضد الحلفاء معها

 وهو ما یؤدي إلى زوال الثقة بین الدول أطراف النزاع مع القضاء الدولي.

الوضع القانوني للأفراد على مستوى القانون الدولي

أثار وضع الفرد في النظام القانون الدولي جدل كبیر بین الفقه الدولي، وأكّد غالیتهم بأن الفرد یصلح لأن یكون محلاً لخطاب القانون الدولي(المبحث الأول).

ولكن ذلك لا یؤثر على الأصل العام، وهو أن الفرد لیس من أشخاص القانون الدولي وإن كان محلاً لاهتمامه بحقوقه.

ولأنه الهدف البعید للقانون الدولي، باعتبار أن تحقیق رفاهیته هي الهدف الأساسي وراء كل أي تنظیم قانوني(المبحث الثاني).

لكن مقابل ذلك یلقي المسؤولیة الجنائیة علیه في حالة إرتكابه لجرائم دولیة(المبحث الثالث).

مركز الفرد في القانون الدولي حسب الفقه

انقسم الفقه الدولي فیما یتعلق بمركز الفرد في القانون الدولي إلى عدة آراء، وهي:

المدرسة الوضعیة

ترى هذه المدرسة أنّ الدول هي الأشخاص الوحیدة للمجتمع الدولي نظراً لما تتمتع به من سیادة في حین لا یعتبر الأفراد من أشخاص القانون الدولي، لأنه لا یتمتع بمیزة خلق القواعد الدولیة ولا یخاطبه القانون الدولي إلا عن طریق دولهم.

وهذا على الرغم من إعتراف أنصار هذه المدرسة بكون الأفراد محلا للحقوق والإلتزامات التي یقرّ رها القانون الدولي

المدرسة الواقعیة

یقرر أنصارها أن الفرد هو الشخص الوحید في القانون الدولي والداخلي، في حین ینكرون شخصیة الدولة ویرفضون نظریة السیادة باعتبار أن الدولة ما هي إلا وسیلة قانونیة لإدارة مصالح الجماعة التي تتكون من أفراد.

ینطلق أنصار هذه النظریة في بناء تصورهم من إنكارهم لحقیقة الشخصیة المعنویة واعتبارها ضرباً منضروب الخیال القانوني.

والدولة بهذا المفهوم لا تعد شخصاً من أشخاص القانون الدولي ولا یخاطبها فعلیا بقواعده، ولكنها وسیلة فنیة یتم من خلالها إدارة مصالح جماعة الأفراد.

المدرسة الحدیثة

إتّخذت موفقا وسطا بین المدرستین الوضعیة والواقعیة، حیث لا تعتبر الفرد موضوعاً للقانون الدولي، ولا شخصاً من أشخاصه ولكنها تعتبره المستفید النهائي من أحكامه.

ویفرق أنصار هذه المدرسة وعلى رأسهم “شارل روسو” و”بول ریتر” بین أمرین أساسیین فیما یتعلق بعلاقة الفرد بالقانون الدولي.

الأمر الأول: اهتمام القانون الدولي بالأفراد باعتبارهم الهدف البعید له، حیث تحتوي قواعد قانونیة هدفا
نهائیا، وهو تحقیق رفاهیة الأفراد.

الأمر الثاني: مخاطبة القانون الدولي للأفراد في بعض قواعده خطاباً مباشراً، بإعترافه لهم بحقوق ووضعه
لإلتزامات تعرّضهم للجزاء في حالة مخالفتهم لها.

انتهى أنصار المدرسة الحدیثة إلى أنّ للفرد وضع الشخص الدولي، لكن أهلیته لاكتساب الحقوق المقررة في القانون الدولي محدودة.

ولا یمارس هذه الحقوق بنفسه إلا في بعض الأحوال الاستثنائیة دون أن یؤثر ذلك على الأصل العام، وهو أن الفرد لیس من أشخاص القانون الدولي المعتادین

حمایة القانون الدولي لحقوق الأفراد وإ خضاعهم للإلتزامات الدولیة

یكفل القانون الدولي حمایة للأفراد عن طریق الإقرار لهم بمجموعة من الحقوق، والتي یعترف بها بموجب إتفاقیات حقوق الإنسان (المطلب الأول).

ومقابل ذلك یقرّ ر على عاتقهم بإلتزامات دولیة تمنعهم من إرتكاب جرائم دولیة وإ نتهاكات لحقوق الإنسان (المطلب الثاني)

حمایة القانون الدولي لحقوق الإنسان

یتمتع الأفراد بعدّة حقوق یقرّ رها القانون الدولي لهم، سواءً في أوقات السلم أو الحرب

لكنه لا یمكن لهم أن یمارس هذه الحقوق لمصلحتهم على المستوى الدولي إلا عن طریق الدول التي یتبعونها على الرغم من ذلك.

فإنّ قیمة إهتمام القانون الدولي بالفرد تطورت تطورا كبیرا عبر مراحل تطور المجتمع الدولي، حیث أصبح محل حمایة من القانون الدولي فیما یتعلق بحقوقه وحریاته وأهم الوثائق الدولیة التي أقرّ ت بهذه الحقوق، نذكر :

  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر 10دیسمبر .1948
  • العهد الدولي لحقوق المدنیة السیاسیة، المعتمد من قبل الجمعیة العامة سنة ، 1966ودخل حیّز التنفیذ 1976 مارس23
  • إتفاقیة منع جریمة الإبادة الجماعیة والمعاقبة علیها، أقرّ ت وعرضت للتوقیع وللتصدیق علیها وللانضمام إلیها بموجب قرار الجمعیة العامة رقم ألف د- 3المؤرخ في 9دیسمبر ، 1948ودخلت حیّز النفاذ بتاریخ 12جانفي 1951
  • اتفاقیات جنیف الأربعة لسنة ،1949الأولى متعلقة بتحسین حال جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة

في البحار، والثانیة المتعلقة بتحسین حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في المیدان والثالثة متعلقة بمعاملة أسرى الحرب.

والرابعة متعلقة بحمایة الأشخاص المدنیین وقت الحرب، وأبرمت هذه بتاریخ 12 أوت ، 1949ودخلت حیّز التنفیذ یوم 21أكتوبر0 195

  • الاتفاقیة الدولیة لحقوق الطفل لسنة ،1989والتي دخلت حیز النفاذ بتاریخ 2سبتمبر 1990

خضوع الأفراد للالتزامات الدولیة

وضع القانون الدولي عدّة أحكام تلزم الأفراد بعدم إرتكاب جرائم دولیة أو إنتهاكات لحقوق الإنسان، حیث تلقي علیهم المسؤولیة عن ذلك وتقرّ ر ضدهم متابعات جنائیة أمام محاكم دولیة وهذا على الرغم من إختلاف الفقه حول المسألة.

في هذا الإطار، لم یتخذ الفقه الدولي موقفاً موحّداً حول تحدید الطرف المتحمّل للمسؤولیة الدولیة عن ارتكاب إنتهاكات للقانون الدولي.

إذ ظهرت بینه عدّة اتجاهات فقهیة، وإ نتهى جدلها في نهایة الأمر إلى وضع أحكام خاصة في القانون الدولي المعاصر تقرّ بإزدواجیة المسؤولیة الدولیة بین الدول والأفراد.

أ- الاتجاه الأول:

الدولة هي الجهة المسؤولة دولیا عن إرتكاب إنتهاكات للقانون الدولي یذهب هذا الاتجاه من الفقه إلى القول بأنّ الدولة هي الجهة الوحیدة المسؤولة دولیا عن إرتكاب الجرائم الدولیة.

على أساس أنّ المفهوم التقلیدي للقانون الدولي یعتبر الدولة الشخص الوحید للقانون الدولي وأنّ العمل الدولي غیر المشروع لا یمكن إسناده إلا إلى الدولة، لأنّ القانون الدولي یحمّ ل الدول لوحدها إلتزامات مباشرة.

ب- الاتجاه الثاني:

الفرد هو المسؤول الوحید دولیا عن إرتكاب إنتهاكات للقانون الدولي یذهب هذا الاتجاه إلى القول بأنّ إنتهاك قواعد القانون الدولي لا یمكن أن ترتكب إلاّ من قبل شخص طبیعي.

وهو الموضوع الوحید للمسؤولیة الجنائیة وكرّ س هذا الموقف لأول مرّ ة في المادة من معاهدة فرساي ،1919

والتي جسّدت مبدأ مسؤولیة الأفراد أمام القانون الدولي الجنائي وجعلت إمبراطور ألمانیا “غلیوم الثاني” بصفته الشخصیة مسؤولاً عن الجرائم التي ارتكبتها ألمانیا ولحسابها خلال الحرب العالمیة الأولى.

تأكّد الإتّجاه المذكور أعلاه في الأنظمة الأساسیة لمحكمتي نورمبرغ وطوكیو

والتي جاء فیها بأنّ الأفراد هم المسؤولون عن الأفعال الإجرامیة المنصوص علیها في هاتین الاتفاقیتین وهو ما استند ممثل الادعاء الأمریكي في محكمة نورمبرغ.

ومن جانبها، أكّدت الأنظمة الأساسیة للمحاكم الدولیة الجنائیة المؤقتة لكل من یوغسلافیا ورواندا وكذلك النظام الأساسي للمحكمة الجنائیة الدولیة على هذا المبدأ.

وكرّست مبدأ المسؤولیة الشخصیة، على أساس أنّها محاكم تهتم بالمسؤولیة الشخصیة للأفراد.

ج- الاتجاه الثالث:

الدولة والأفراد معاً هي جهات مسؤولة دولیا عن إنتهاكات للقانون الدولي

ینادي أنصار هذا الاتجاه، وهو الرأي الغالب في القانون الدولي، بالمسؤولیة الدولیة المزدوجة لكل من الدولة والفرد، لأنّ الدولة والأفراد الذین یتصرفون بإسمها یتحملون المسؤولیة الجنائیة عن مخالفات القانون الدولي.

والمسؤولیة الفردیة في ظلّ القانون الدولي یمكن أن تنشأ نتیجة لإرتكاب جریمة بصورة مباشرة أو نتیجة للتحریض على ارتكابها أو لإرتكاب جرائم اقترفها أشخاص خاضعون لسلطة آمرة في هذا السیاق.

إذا إرتكب شخص یمثل دولة معیّنة جریمة دولیة، فإن ذلك یطرح مسؤولیة الدولة والعكس صحیح، لأنّ إلتزام ممثل الدولة بالإمتناع عن إرتكاب الجرائم الدولیة مستمد من الإلتزامات الدولیة للدول في القانون الدولي .

وهو ما أكّدته محكمة العدل الدولیة في قضیة البوسنة والهرسك ضدّ صربیا في مجال مكافحة جریمة الإبادة والمعاقبة علیه

الجهات القضائیة المختصة بمحاكمة الأفراد دولیا

تعدّ المحكمة الجنائیة الدولیة جهة قضائیة دولیة حدیثة النشأة (المطلب الأول).

وتتشكل من قضاة وتختص في متابعة الأفراد جنائیا عن الجرائم التي یرتكبونها (المطلب الثاني).

ولكن تحریك إختصاصها یتم من قبل جهات محددة ولیس تلقائیا (المطلب الثالث).

وفي نهایة الأمر تتّخذ أحكام عقابیة ردعیة ضد مرتكبي هذه الجرائم (المطلب الرابع).

نشأة المحكمة

جاءت المحاولات الفعلیة الأولى لإنشاء محكمة جنائیة دولیة في الفترة التي أعقبت نهایة الحرب العالمیة الثانیة.

إذ أسّست دول الحلفاء المنتصرة خلال هذه الحرب، لأول مرّة، محكمتین عسكریتین لمحاكمة الأشخاص الذین ارتكبوا جرائم دولیة خلالها.

وأول المحاكم التي أسّستها منظمة الأمم المتحدة هي تلك المستحدثة من قبل مجلس الأمن خلال النزاعات المسلحة التي عاشتها بعض الأقالیم في العالم،

ومن بینها وأهمّ ها نذكر المحكمة الجنائیة الدولیة المؤقتة لیوغسلافیا سابقا المنشأة بموجب القرارات رقم 808و  (1993) 827 والمحكمة الجنائیة الدولیة المؤقتة لرواندا بموجب القرار رقم . (1994) 955.

تمیّزت المحاكم المذكورة أعلاه بكونها أسّست في ظروف استثنائیة من أجل معالجة مواقف معیّنة دون أن یعترف لها بالاختصاص الدائم للنظر في الجرائم الدولیة التي تخرج عن نطاق تلك النزاعات.

ولكنّها تعرّضت -هي الأخرى- لانتقادات لاذعة، بسبب عدم استنادها للشرعیة الدولیة ومحدودیة إختصاصها في مكافحة الجرائم الدولیة.

ونظرا للأسباب المشار إلیها أعلاه، أنشئت محكمة جنائیة دولیة دائمة خلال المؤتمر الدبلوماسي لمنظمة الأمم المتحدة المنعقد بـ “روما” في الفترة الممتدة من 15جوان إلى 17جویلیة ،1998.

حیث أبرمت الدول المشاركة خلاله إتفاق یقضي بمنح دور فعال للمحكمة في مسائلة الأفراد عن إرتكابهم لجرائم دولیة أكثر خطورة على الإنسانیة.

وأقرّ بموجبه نظامها الأساسي، والذي دخل حیّز التنفیذ في الأول من جویلیة  2002 عام تعدّ المحكمة آلیة فعلیة لمعاقبة مرتكبي الجرائم الدولیة.

وتملك اختصاصا مكملا للقضاء الوطني ولیس بدیلا عنه وبلغ عدد الدول الأطراف في نظامها الأساسي 123دولة، ومن بینها  3دولة عربیة في حین إمتنعت العدید من الدول الكبرى عن التصدیق علیه لأسباب غیر قانونیة.

إضافة إلى ذلك، تتمیّز وتفرّقها عن غیرها من المحاكم الجنائیة الدولیة المؤقتة أو الخاصة بكونها محكمة دائمة.

وعن محكمة العدل الدولیة، لكونها تختص بمعاقبة الأفراد الذین یرتكبون الجرائم الدولیة المحددة في القانون الدولي، ولاستقلالیتها عن أجهزة منظمة الأمم المتحدة.

ولكن ستكون وثیقة الصلة بها بهذه المنظمة بموجب عدد من الاتفاقیات الرسمیة.

تشكیلة المحكمة وإختصاصاتها

تتشكل هیئة المحكمة من ثمانیة عشرة 18قاضیا، وكذلك من أجهزة فرعیة لها اختصاصات یحدّدها نظامها الأساسي.

وهي هیئة رئاسة المحكمة، وقلم كتاب المحكمة، ومكتب المدعي العام، ودوائر المحكمة التي تتمثل في الغرفة التمهیدیة، والغرفة الابتدائیة والغرفة الإستئنافیة وتملك اختصاصا مكملا للقضاء الوطني ولیس بدیلا عنه.

وكذلك هي ثمرة معاهدة دولیة؛ أي برزت نتیجة اتفاق دولي مبرم بین الدول صاحبة السیادة، والذي قررت فیه التعاون والتصدي لمرتكبي الجرائم التي تمس الإنسانیة تنظر المحكمة في عدد محدّد من الجرائم.

وهي جرائم الحرب، وجرائم الإبادة، والجرائم ضد الإنسانیة وجریمة العدوان ویخوّ ل النظام الأساسي صلاحیات تحریك إختصاص المحكمة للدول الأطراف والمدعي العام، وكذلك لمجلس الأمن.

لكن هذه الجهات تلتزم بمراعاة الشروط المحدّدة لذلك وتمارس المحكمة هذا الإختصاص بشروط مسبقة واردة هي الأخرى في النظام الأساسي.

تحریك إختصاص المحكمة

یتم تحریك إختصاص المحكمة الجنائیة الدولیة للنظر في الجرائم التي تدخل في إختصاصها من قبل ثلاثة جهات محددة على سبیل الحصر.

وهي الدول الأطراف والمدعي العام من جهة، ولكونهم لهم سلطة الإحالة القانونیة، ومجلس الأمن من جهة أخرى، بصفته جهاز خارجي له صلاحیات الإحالة أمام المحكمة إستنادا للفصل السابع من میثاق منظمة الأمم المتحدة.

ویجب أن تتم الإحالة وفقا للشروط الواردة في النظام الأساسي، ونجد من بینها مراعاة شروط إختصاص المحكمة ومبدأ التكاملیة فضلا عن إختصاص المجلس في تحریك الدعوى أمام المحكمة، إعترف له النظام الأساسي
بصلاحیات إستثنائیة قد تلغي أو ترجئ إختصاصها في نظر الجرائم الواردة في المادة 05منه ولو مؤقتا.

وتتمثل هذه الصلاحیات في طلب إرجاء التحقیقات أو المقاضاة أمام المحكمة لمدة 12شهر قابلة للتجدید، وهذا حتى ولو صدرت الإحالة عن الدول أو المدعي العام یقوم المدعي العام بالتحقیق في الجرائم التي تحلیلها الدول أو مجلس الأمن بعد تقییمه لجدّیة المعلومات والمستندات المرفقة بالطلب.

فإذا كانت المعلومات المتاحة له توفر أساسا معقولا للاعتقاد بأن جریمة تدخل في اختصاص المحكمة قد ارتكبت أو یجري ارتكابها، وما إذا كانت القضیة مقبولة أو یمكن أن تكون مقبولة بموجب المادة 17من النظام الأساسي.

أما في حالة ما إذا إنعدم أي أساس قانوني أو وقائعي لطلب إصدار أمر بالقبض أو بالحضور ضدّ الأشخاص المتهمین بإرتكاب جرائم دولیة تدخل في إختصاص المحكمة

أو كانت القضیة غیر مقبولة أو أنّ المقاضاة فیها لن تخدم مصالح العدالة، بسبب عدم خطورة الجریمة أو مراعاة لمصالح المجني علیهم أو لسنّهم.

یتّخذ قرار بعدم الشروع في التحقیق وذلك إستنادًا لما تقضي به الفقرة الثانیة من المادة 53من نظامها الأساسي.

یقدّم مباشرة بعد تأكّده من وجود سببا معقولا للبدء في التحقیق طلبا إلى الدائرة التمهیدیة للإذن له بمباشرة التحقیق، وتفصل هذه الأخیرة فیه بعد دراستها للطلب والمواد المؤیدة له، بما في ذلك المستندات والمعلومات التي تلقّها من مجلس الأمن أو الدول الأطراف.

وهو قید من قیود تحریكه لإجراءات التحقیق في الجرائم الدولیة التي تدخل في إختصاص المحكمة

یجوز للدائرة التمهیدیة عندئذ أن تأذن له بالبدء بالتحقیق إذا رأت أنّ هناك سببا معقولا للشروع في إجراءه

وأنّ الدعوى تقع في إختصاص المحكمة، دون أن یؤثر ذلك بما تقرره المحكمة فیما بعد بشأن الإختصاص ومقبولیة الدعوى.

إضافة إلى ذلك، یجوز لها أیضا رفض الإذن له بالتحقیق، في حالة عدم اقتناعها بجدیّة المعلومات المقدمة له أو لم تجد أسباباً معقولة للبدء في التحقیق، وعندئذ لا ینفذ قراره بالتحقیق إلا إذا تمّ إعتماده من طرف هذه الدائرة.

ویمكن له في حالة رفض الإذن له بالتحقیق أن یقدّم طلبا لاحقا یستند إلى وقائع وأدلة جدیدة بهدف فتح تحقیق حولها.

الأحكام الصادرة عن المحكمة

تطبّق المحكمة الإجراءات الأولیة لإجراءات المحاكمات وصدور الحكم النهائي الأحكام الواردة في المادتین 60و   61من نظامها الأساسي.

إذ تنظر الدائرة التمهیدیة مباشرة بعد تقدیم الشخص إلى المحكمة أو مثوله طوعا أمامها أو بناء على أمر حضور إذا ما بلّغ إلیه بالجرائم المتهم بها أمام المدعي العام.

وبحقوقه بموجب النظام الأساسي للمحكمة بما في ذلك حقه في التماس إفراج مؤقت انتظارا للمحاكمة تعقد الدائرة التمهیدیة.

عندئذ وفي غضون فترة معقولة من تقدیم الشخص إلى المحكمة أو حضوره طواعیة أمامها، جلسة لاعتماد التهم التي یعتزم المدعي العام طلب المحاكمة على أساسها.

وتعقد الجلسة بحضور المدعي العام والشخص المنسوب إلیه التهم، هو ومحامیه یجوز للدائرة على أساس قرارها أن تعتمد التهم التي قررت بشأنها وجود أدلة كافیة وتحیل الشخص إلى دائرة ابتدائیة لمحاكمته على التهم التي اعتمدتها.

كما یمكن لها أن ترفض اعتماد التهم لعدم كفایة الأدلة أو توجل الجلسة وتطلب إلى المدعي العام تقدیم مزید من الأدلة أو إجراء مزید من التحقیقات.

وكذلك یجوز لها أن تعدّل تهمة معینة لكون الأدلة المقدمة فیها تبدو وكأنها تؤسس لجریمة مختلفة تدخل في اختصاص  المحكمة.

تؤسس هیئة رئاسة المحكمة -متى اعتمدت التهم- دائرة ابتدائیة، وتكون مسؤولة عن سیر الإجراءات اللاحقة، ، وفقا للفقرتین الثامنة والرابعة من المادة 64من نظامها الأساسي.

ویجوز لها أن تمارس أي وظیفة من وظائف الدائرة التمهیدیة تكون متصلة بعملها أو أن یكون لها دور في تلك الإجراءات یجب على الدائرة الابتدائیة، في بدایة المحاكمة، أن تتلو على المتهم التهم التي سبق أن اعتمدتها الدائرة التمهیدیة.

ویجب أن تتأكد من أنّ المتهم یفهم طبیعة التّهم وأن تعطیه الفرصة للاعتراف بالذنب وفقا للمادة 65من النظام الأساسي أو للدفع بأنّه غیر مذنب.

ویجوز للقاضي الذي یرأس الجلسة، وفقا للفقرة الثامنة من المادة 64النظام الأساسي، أن یصدر أثناء المحاكمة توجیهات تتعلق بسیر الإجراءات، بما في ذلك ضمان سیر هذه الإجراءات سیرا عادلاً ونزیها.

من جانبهم، یجوز لأطراف المحاكمة أن یقدموا الأدلة وفقا لأحكام هذا النظام الأساسي، مع مراعاة توجیهات القاضي الذي یرأس الجلسة.

وتتمتّع الدائرة الابتدائیة في هذا الإطار بسلطة الفصل في قبوله الأدلة أو صلتها واتخاذ جمیع الخطوات اللازمة للمحافظة على النظام أثناء الجلسة، سواءً بناء على طلب أحد الأطراف أو من تلقاء ذاتها.

في نهایة الأمر، یصدر الحكم النهائي الذي تتّخذه المحكمة، إستنادًا للمادة 74من نظامها الأساسي، كتابیاً، ویتضمن بیاناً كاملا ومعللا بالحیثیات التي تقررها الدائرة الابتدائیة بناء على الأدلة التي تقدّم إلیها والنتائج التي تنتهي إلیها.

وحیثما لا یكون هناك إجماع، یتضمن القرار آراء الأغلبیة وآراء الأقلیة، ویكون النطق به في جلسة علنیة، وقبل صدوره یحاول القضاة التوصّ ل إلى إتّخاذه بالإجماع، وفي كل الحالات تبقى مداولاتها سریة.

أما عن الأحكام التي یمكن أن تصدرها المحكمة، ففي حالة الإدانة تنظر الدائرة الابتدائیة في توقیع الحكم المناسب.

وتضع في الحسبان الأدلة والدفوع المقدمة أثناء المحاكمة وذات الصلة بالحكم ویصدر الحكم علناً، وبحضور المتهم إذا ما أمكن ذلك وتتّخذ فیه العقوبات الواردة في الفصل السابع.

الخاتمة

من خلال دراستنا لمادة المجتمع الدولي تناولنا محاور رئیسیة، والتي تتمحور في التعریف بالمجتمع الدولي وخصائصه، وكذا مراحل تطوره، وثمّ أشخاصه، خاصة منها الفاعلة في العلاقات الدولیة، والتي تتمثل في الدول والمنظمات الدولیة.

كما خصصنا محورا هاما لمركز الفرد في المجتمع الدولي بإعتباره موضوعا للقانون الدولي.

من خلال عرضنا لمختلف الجوانب المحیطة بهذا المحور استنتجنا بأنّ المجتمع الدولي ینحصر في بعض الكیانات السیاسیة الدولیة المستقلة التي تشارك في الحیاة الدولیة، خاصة منها الدول والمنظمات الدولیة الحكومیة.

تبیّنا لنا بأنّ هذا المجتمع یتمیّز بخصائص مختلفة عن المجتمعات الوطنیة، وذلك من خلال تشكیله من كیانات سیاسیة دولیة غیر ثابتة.

وخضوعه لقانون دولي قائم على إرادة أشخاصه، ولقضاء إختیاري یخضع إختصاصه هو الآخر لرضى الدول.

تعدّ الدول من بین أهم أشخاص المجتمع الدولي، وهي كیانات سیاسیة تتشكل في صورة تجمع سكاني یعیش على سبیل الاستقرار فوق إقلیم معین ومحدد ویخضع لسلطة حاكمة لها سیادة على الإقلیم والأفراد والأشیاء، ولا تخضع لأي سلطة أخرى تعلوه.

وعلیه، تعدّ الدولة كیان سیاسي دولي مستقل یتكون من عناصر هي الإقلیم، والسكان، والسلطة العامة، والسیادة والاستقلال وتتمتع بشخصیة قانونیة دولیة.

ولإثبات وجودها في القانون الدولي یجب إن یكون هناك سكان یقیمون في إقلیم محدد و یخضعون إلى سلطة عامة فعلیة تتمتع بالسیادة والاستقلال والشخصیة القانونیة الدولیة.

یخضع العنصر البحري والمجال الجوي التابع للدولة لنظام قانوني دولي یضمن للدول حریة الملاحة البحریة والجویة.

حیث تنظمه قواعد قانونیة دولیة تضمن الحفاظ على سیادة الدول وحقها في إستغلال المجالات الدولیة ومقابل ذلك تستفید السفن والطائرات الأجنبیة من حقوق المرور.

أما عنصر الاعتراف فهو یضمن وجود فعلي للدولة في المجتمع الدولي والعلاقات الدولیة وإ ستمراریتها على مستوى المنظمات الدولیة.

وتخوض هذه العلاقات عن طریق ممثلیها في السلطة العامة، وعلى رأسهم رئیس الدولة أو الوزیر الأول أو البرلمان.

حیث یختص هؤلاء الممثلین في إبرام المعاهدات الدولیة وإ تخاذ القرارات باسم الدولة، ویتمتعون بذلك بحصانات دبلوماسیة على المستوى الدولي.

وبالعودة إلى وجهة نظر القانون الدولي، فإن هذا الأخیر لا یهتم، من حیث المبدأ، بشكل ونوعیة النظام السیاسي والاقتصادي والاجتماعي السائد في الدولة، إلا أنه یشترط توافر المشروعیة القانونیة بمفهومیها الدستوري والدولي في قیام السلطة السیاسیة داخل الدولة.

وبناء الدولة على أسس دیمقراطیة وإ حترام الحقوق والحریات الأساسیة للإنسان، وهو الأمر الذي یجعل السیادة نسبیة في القانون الدولي.

تعد السیادة من الأفكار الأساسیة التي أسس علیها صرح وبنیان القانون الدولي المعاصر، وقد مرت نظریة السیادة بمراحل متعددة، فبعد أن كان نطاق سیادة الدولة ینحصر على شعبها وإ قلیمها مطلقا فإن تطور العلاقات الدولیة على مرّ الزمن حمل معه تعدیلا على هذا النطاق بصورة تدریجیة.

لقد اتجه مفهوم السیادة في الوقت الحاضر نحو منحى جدید، حیث أدّت التحولات التي یعرفها النظام الدولي في المیادین الاقتصادیة، والسیاسیة والعسكریة إلى انحسار وتقلّص فكرة سیادة الدولة الوطنیة وأصبحت حالیا تحت رهن العدید من الضوابط في العلاقات الدولیة.

نذكر من بین هذه الضوابط ضرورة مراعاة الدولة لأسس الدیمقراطیة وحمایة حقوق الإنسان كقید من قیود ممارسة السیادة، حیث تلتزم الدول بمراعاة هذه القیود وعدم القیام بأعمال غیر مشروعة في القانون الدولي.

وفي حالة عدم إلتزامها بهذه القیود تتعرّض الدولة إلى عقوبات دولیة تفرضها المنظمات الدولیة، على غرار منظمة الأمم المتحدة، وقد یؤدي ذلك إلى التدخل في شؤونها الداخلیة لغرض فرض إحترام هذه الضوابط.

أما فیما یتعلق المنظمة الدولیة، فهي كل هیئات دائمة تتمتع بالإرادة الذاتیة وبالشخصیة القانونیة الدولیة حین تتفق مجموعة من الدول على انشائها كوسیلة من وسائل التعاون الاختیاري ، بینها في مجال أو مجالات معینة یحددها الاتفاق المنشئ للمنظمة.

وهي تتكون من عناصر أساسیة وهي الكیان الدائم والصفة الدولیة، والهداف المشتركة، والارادة الذاتیة أي الشخصیة القانونیة الدولیة، والتي إعترف بها القانون الدولي للمنظمات بموجب الرأي الإستشاري لمحكمة العدل الدولیة سنة .1949

ومن بین نتائج الاعتراف بالشخصیة القانونیة للمنظمة الدولیة حق ابرام اتفاقیات دولیة في الحدود اللازمة لتحقیق أهدافها وحق تحریك دعوى المسؤولیة الدولیة لتوفیر الحمایة الوظیفیة لموظیفیها، وحق التقاضي أمام محاكم التحكیم الدولیة، والمشاركة في خلق قواعد القانون الدولي.

من خلال دراستنا للمنظمات الدولیة إخترنا منظمة الأمم المتحدة نموذجا للمنظمات الدولیة، وهذا على أساس كونها من أحد المنظمات التي تظمّ أكبر عدد من الدول في عضویتها والأكثر نشاطا في العلاقات الدولیة.

وفیها خصصنا جانبا هاما وظائف مجلس الأمن والجمعیة العامة، وبمحكمة العدل الدولیة لكونها الجهاز القضائي المختص بالفصل في النزاعات الدولیة بین الدول على مستوى المنظمة.

تبیّن لنا من خلال دراستنا لمختلف هذه الأجهزة أنّ مجلس الأمن هو الجهاز المستأثر لكل الصلاحیات داخل منظمة الأمم المتحدة، حیث خوّل له المیثاق مهام أساسیة في المجتمع الدولي، والتي تتمثل في الحفاظ على السلم والأمن الدولیین.

في حین ینحصر عمل الجمعیة العامة على الإهتمام بالمسائل العامة الواردة في المیثاق، وهو ما أدى إلى إكتساب الدول المتمتعة بحق الفیتو داخل المجلس لنفوذ إستراتیجي في العلاقات الدولیة.

نذكر من بین الصلاحیات التي یتمتع بها المجلس داخل المنظمة في الحفاظ على السلم والأمن الدولیین حق إتخاذ التدابیر القمعیة الواردة في الفصل السابع من المیثاق ضدّ الدول، خاصة في حالة إرتكابها لإنتهاكات جسیمة لحقوق الإنسان،

وهي الحقوق التي یكتسبها الأفراد بموجب الإتفاقیات الدولیة لحقوق الإنسان.

أما فیما یتعلق بوضع الفرد في القانون الدولي، فیعدّ هذا الموضوع من أحد المواضیع الحدیثة في العلاقات الدولیة، حیث خصص القانون الدولي مكانة هامة للفرد ضمن أحكامه، وذلك من خلال إقراره بحقوق في الإتفاقیات الدولیة لحقوق الإنسان، وكذلك وضعه لإلتزامات الدولیة على عاتقه في مجال مكافحة الجرائم الدولیة.

وحول الجرائم الدولیة أنشأ قضاء جنائي دولي، وهي المحكمة الجنائیة الدولیة، وهي محكمة حدیثة النشأة تنظر في الجرائم الدولیة التي یرتكبها الأفراد وتقوم بالتحقیق فیها وبمحاكمة مقترفیها بعد تحریك إختصاصها من قبل الدول الأطراف أو المدعي العام أو مجلس الأمن.

دخلت المحكمة حیّز التنفیذ في الأول من جویلیة عام ،2002 وهي تعدّ آلیة فعلیة لمعاقبة مرتكبي هذه الجرائم الدولیة.

ولكن نجاحها في تحقیق أهدافها یقف على إرادة الدول ومجلس الأمن، وهذا نظرا لكونها مقیّدة بالتعاون مع هذه الجهات في التحقیق حول هذه الجرائم والقبض على مرتكبیها

أسئلة في المجتمع الدولي

السؤال الاول : بعد التاكد من صحة الاسئلة بررا لاجابة بسند قانوني

  • حق الدفاع الشرعي لم ياتي في المنظمات الاقليمية
  • حق تقرير المصير مبدا من مبادئى القانون الدولي
  • المساعدة الانسانية قد تؤدي الى حق التدخل
  • ابادة الجنس البشري يعاقب عليها القانون الدولي

السؤال الثاني : رتب هذه النصوص القانونية ترتيبا صحيحا مع ضرورة تقديم تبرير

  • المعاهدة
  • الاعلان
  • اللائحة
  • القرار

السؤال الثالث : أذكر الفرق بين

  • الاعتراف المنشا و الاعتراف المقرر
  • حق الدفاع الشرعي و المعاملة بالمثل

السؤال الرابع : القضية

اخترقت طائرة عسكرية لدولة (ا)الاجواء الاقايمية لدولة (ب)و قامت بضرب مواقع هامة في هذه الدولة و بعد مرور شهر على الحادثة قامت طائرة عسكرية من الدولة (ب) باختراق الاجواء الاقليمية للدولة (ا) حيث تم اسقاطها من طرف القوات المسلحة للدولة (ا).

  • هل اسقاط الطائرة من طرف قوات الدولة (ا ) تعتبر فعل شرعي

عن المكتبة القانونية الجزائرية

الاستاذ زروق عبد الحفيظ مدير و مشرف موقع المكتبة القانونية الجزائرية من مواليد 1983 حاصل على شهادة ليسانس من جامعة قاصدي مرباح بورقلة متحصل على شهادة الكفاءة المهنية للمحاماة من نفس الجامعة و حاليا يمارس مهنة المحاماة أحب إفادة جميع طلاب القانون بدأت نشر المحتوى القانوني باللغة العربية منذ سنة 2013 ، حيث أسست المكتبة القانونية الجزائرية من أجل إفادة طالب القانون بجميع مايحتاجه خلال دراسته وبحوثه،اللهم إجعلنا سببا في إفادة ومساعدة الاخرين.

شاهد أيضاً

مسابقة الموثقين والمحضرين القضائيين لسنة 2018

مسابقة الموثقين والمحضرين القضائيين 2018 وكافة المراجع و الملخصات القانونية

فهرس الموضوع 1 مسابقة الموثقين والمحضرين القضائيين لسنة 20182 أ- شروط الالتحاق بمسابقة الموثقين :3 …

3 تعليقات

  1. الملخص فيه محور واحد فقط؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *